فهرس الكتاب
إن"الفلسفة السياسية"في الإسلام، تقوم على أساس من"العقائدية"أو ما يطلق عليه اليوم"بالأيديولوجية"-إن صح هذا التعبير- ذلك، أن هذه"الفلسفة"- بما تقوم عليه من"قيَم"ومفاهيم كُلية، ومثالية -في الوقت نفسه- ذات طابع"توجيهي وتقويمي"لا يمكن للباحث في الفلسفة السياسية في الإسلام، أن يتغافل عنه، ومن ثَمَّ، لم تكن هذه"الفلسفة"تُعنى برصد ا لظواهر السياسية عن طريق الملاحظة والتجربة، والبحث عن عللها وأسبابها، والقوانين التي تنتظمها، لتنبئ بما سيكون عليه أمر مستقبلها، كنتيجة حتمية لتلك السنن والقوانين -وإن كان هذا أمرًا مطلوبًا شرعًا، لأنه لا يعدو أن يكون نوعًا من الربط بين الحياة السياسية والاجتماعية الواقعية الراهنة، وبين الواقع التاريخي للأمم السالفة، استهداءً بتجاربها، وآثار فاعليتها على المسرح التاريخي، ثم رد ذلك إلى أسبابه. وعلله، لقوله تعالى: (يريد الله ليبيّن لكم، ويهديكم سُنَنَ الذين من قبلكم (( 1) - أقول: لم تكن الفلسفة السياسية في بحوث أئمة الفقهاء السياسيين المسلمين، لَتُعْنَى برصد الظواهر السياسية، لاشتقاق القوانين التي تنتظمها، وإنما عُنيت بدراسة المبادئ وما تنطوي عليه من قيم، والنفاذ الفكري إلى ما يُسفر عنه تحليلها، واستشراف مراميها، لاتخاذها أساسًا أو منطلقًا"لتقويم"الواقع السياسي للدولة إلى ما ينبغي أن يكون، أو للتوفيق بينهما ما أمكن.
أ-الفرق بين علم السياسة، والفلسفة السياسية:
وعلى هذا، أمكن القول: بأن ثمة"علمًا سياسيًا"يقوم على أساس استقراء الظواهر السياسية في الواقع المعيش، لاستخلاص القوانين التي تنتظمها -كما أسلفنا- وصولًا إلى"تقريرها"والظفر بما تُنبئ عنه تلك القوانين من آثار في المجتمع السياسي، أيًا كان ذلك المجتمع، دون عناية بتوجيهه، أو تقويمه أو تغييره، فكان علمًا"تقريريًا"لا تقويميًا، ولا توجيهيًا، كما ترى.