فهرس الكتاب

الصفحة 562 من 23694

هذا ونجد في (الميمر على سبيل معرفة الله(5) نصًا يمكننا من استنباط بنية المعرفة في رأي أبي قرة وتوضيحها. فيقول النص:"إنما عرفنا الله إما من صفته (التي وصف بها نفسه) لنا، وإما من أنّا اهتدينا إليه بخلائقه التي (تدرّبتها) عقولنا. فمن كلا القولين يلزم لا محالة أن تكون الخلائق تشبه الله في بعض حالاتها، لأن الله لو وصف لنا نفسه بما لم نرَ شبيهًا له لما كان لصفته موقع في عقولنا ولا كنا نتوهمها أصلًا، وما كانت غاية ما ندينه به إلا الكلام ولفظ ينطق به على غير معنى العقل."إن القارئ يلقى في هذا النص ثلاثة حدود تدل على ثلاثة أبعاد في الصفة وهي"الصفة التي بها وصف الله نفسه"ثم"موقع الصفة في عقولنا"وأخيرًا"الكلام ولفظ ينطق به على غير معنى العقل". وأما الأبعاد الثلاثة فهي واقع الصفة في الله والإنسان، ثم المفهوم العام الذي يدل على واقع الصفة، أي الصفة بوصفها صورة ذهنية للواقع، وأخيرًا الصفة من حيث تتجلى في ألفاظ اللغة. ها هي ذي بنية المعرفة الثلاثية: الواقع، والمفهوم، والحدّ. ومعنى هذا أن اللغة تعبر عن الفكر الذي بدوره يعكس الواقع. ذلك أن التفاهم بين المتحدث والمستمع يقتضي تطابق اللغة والفكر وكذلك تطابق الفكر والواقع، فاللغة تحمل الواقع أي حقيقة الصفات من حيث له"موقع في العقل".

نرى أن اللغة في رأي أبي قرة أداة تؤدي وظيفة وهي نقل المعاني أي تبليغ البشارة: إن اللغة أداة التعبير لا أكثر ولا أقل. ونرى كذلك أن اللغة بوصفها أداة التعبير عن الفكر تتميز عن الفكر تميزًا واضحًا. وهذا التمييز يمكن المؤلف من وضع منهج لاهوتي جديد وتطبيقه على قضية الصفات الإلهية كما سنرى في قسم لاحق من هذه الدراسة. إن هذه البنية الثلاثية للمعرفة تتأصل في نهاية الأمر في النظرية الواقعية للمعرفة. وهذا الإلحاح على واقعية المعرفة ذو بال كبير في سياق تطور الفكر العربي في آخر القرن الثاني هـ وفي مطلع القرن الثالث هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت