مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 23 - السنة السادسة - نيسان"ابريل"1986 - شعبان 1406
فهرس العدد
صوَر إنسانية من الحيَاة اليومية والأسرية في بلاد الشام خلال الألف الأول ق.م1 ـــ محمد حَرب فرزات
أيها السيدات والسادة،
أستميحكم العذر إذا أنتقل بكم أيها السيدات والسادة، بعد الكلام الحي والأدب الرائع البليغ، إلى جانب من الأدب في عصر قديم، أو إلى اركيولوجيا الأدب جاهدًا تقريبه منا أو محاولًا الاقتراب منه ونحن نبحث عن بعض السمات الإنسانية في حياة الناس وأعمالهم في تاريخ حضارتنا الغابرة. وإنه ليسرني أن أسهم في هذه الندوة العلمية بهذا البحث الذي أود أن أتناول فيه بعض الملامح في صور إنسانية من حياة الأسرة الشامية في عصر من عصور تاريخنا البعيد وهو العصر الآرامي، من أجل التعرف على أحوال بعض أولئك الناس من الذين عاشوا قبلنا في هذه الديار: حرثوا أرضها وأنبتوها، وعمروها وزانوها، ودفعوا أعداءها عنها وسعوا في مناكبها وجدّوا، وشقوا وسُعدوا، وفرحوا وحزنوا، أقاموا ردحًا في أبراج وقصور مشيدة وملكوا البيوت العامرة الرحبة أو عاشوا في مساكن بسيطة أو تحت الخيام، ثم مضوا لم يبق من أثر بعضهم ولا قبر، ولكن خلد لبعضهم بعد زمن طويل طيِّب الذكر. إنها روعة الزمن، كما يقول المؤرخ الفرنسي ميشله، أروع ما يزين الأنقاض ويجعلها جميلة!
هذا بعض ما كان يجول في الذهن وأنا أدير التفكير في موضوع هذا البحث الذي قد تقود الأمور الصغيرة فيه إلى التأمل في المسائل الكبيرة، فأسائل النفس كيف كان معاش أولئك الناس، وكيف كانوا يواجهون أعباء الحياة؟ لقد عانوا قبلنا بقرون: هُمُّوا وأهمُّوا، وسكنوا ورحلوا، وسافروا، وهاجروا، واطمأنوا واضطربوا ثم صمتوا آخيرًا إلى الأبد! كيف يمكن بعدُ ردم الفراغ في رمس التاريخ، كيف يمكن إعادة الحياة إلى ما تخلَّت عنه الحياة؟