من هذه الزوايا وضمن هذه الاعتبارات جميعًا يمكن أن يتوجه الباحث كما يبدو لنا إلى محاولة البحث عن ماضي المجتمع الآرامي ووضع الأسرة فيه، عن ماضي ناس عاشوا هنا قبلنا في هذه المدن وعلى هذه الديار، كانت لهم حياتهم وعقائدهم ونظراتهم إلى الكون والحياة. كان لهم ما يشغلهم وما يثقل على قلوبهم من الهموم. كانوا يفرحون ويتعبون ويقلقون. لنقرأ هذا القلق مثلًا في رسالة مكي بنيت إلى أخته: (7) .
".. حروص قلق على صحتهم. الآن كل شيء هنا على ما يرام فيما يخص حروص. لا تقلقي عليه. أهتم به كما لو كنت ِ أنت تهتمين به وتابيموت وأحت سن تعنيان به. أنت غاضبة لأن أحدًا لا يسأل عن حروص. الآن أقول كما أعنى بحروص تعني بنيت بي، لأنه حقيقة حروص هو أخي".
الأم مضطربة قلقة على ابنها، وأخوها يحاول أن يطمئنها يُشهد على صدق عمله ونيته الربة بنيت.
لم يترك أولئك الناس صورًا لهم ولا نقدر أن نسمع أصواتهم. ولكننا نكاد أن نحس بأنفاسهم اللاهثة القلقة، على سطور رسائلهم، في جملها القصيرة والمتكررة والمتلاحقة، نرى الترقب المضني في ارتعاش الأقلام في أيديهم وفي رسوم حروفهم على صفحات قراطيسهم وملفاتهم.
كان أفراد الأسرة يسعون إلى التواصل بكل وسيلة بالكتابة على قطعة بردي، على كسرة فخار، كانت آثار خطوطهم ناطقة في توقها إلى الخطاب. كانت معبِّرة وإن هم صمتوا، قريبة مفهومة وإن أصحابها بعدوا. هكذا عدنا نقرأ خطاب مكي بنيت ونبو شذب كأنه من رسائل الأقربين.
بعد هذا العرض الموجز لمصادر البحث ننتقل الآن إلى الحديث عن الحياة اليومية في البيت الشامي خلال الألف الأول ق.م: وما يتصل بها من ناس وأشياء فنستعرض بعض مراحل تطور هذا البيت على مر العصور ونلتقط ونحن نتلفت هنا وهناك اللقطات المتاحة من أجل محاولة تكوين الصورة المتكاملة المنشودة عن حياة الناس. ثم نتحدث بعدئذ عن أحوال الأسرة الآرامية من خلال وثائقها ورسائلها.