فعلام اعتمد هؤلاء اللغويون القدماء والمحدثون في تفضيل اللغة العربية على لغات العالم: فصاحة، وأصالة، وعبقرية؟؛ وهل كانوا مطلعين على اللغات العالمية ليقرروا مثل هذا الحكم في قدسية العربية وتفردها بالإعجاز والاتساع؟ في العودة إلى الجاهلية الأولى ما يوضح لنا الإجابة عن التساؤل السابق، فمن المعروف أن الفصاحة مختلفة بين القبائل قبل الإسلام، فهناك لغة العالية، والمقصود باللغة هنا اللهجة، وهي لغة قريش، وهي التي تعد أفضل اللهجات، وتقاس فصاحة كل لهجة بمقدار بعدها عن اللغات المجاورة للأمم الأخرى، من الرومية والفارسية والحبشية وغيرها.
أطوار ثلاثة
يتضح أن العربية مرت في ثلاثة أطوار: طور الأصالة التراثية، وطور الوحدة والإعجاز، وطور التوليد والحداثة.
ويتمثل الطور الأول في مرحلتين: أولاهما مرحلة التكوين، وثانيتهما مرحلة التوحيد. ففي المرحلة التكوينية هذا الفيض من التراث اللغوي والثراء التعبيري، وكانت الجاهلية الجهلاء الأولى، وصراع اللهجات العربية بين القبائل في شمال الجزيرة العربية وجنوبها، وشرقها وغربها، والارتحال المتبادل بين هذه القبائل طلبًا للمرعى وألكلأ، أو طلبًا للتجارة في رحلة الشتاء والصيف، ذخيرة التراث اللغوي الجاهلي وجوهر الأصالة اللغوية.
وضَّح الرافعي أهمية القبائل العربية، في هذا الثراء اللغوي، فقال: (14)
"لقد كانت القبائل العربية مادة هذه اللغة، وسبب اتساعها واستفاضتها، وكان فحول الشعراء من الجاهلية كأن كل واحد منهم قبيلة في التفنن والإبداع: مجازًا، واستعارة، وبديعًا. ثم جاء القرآن الكريم فكان الغاية كلها، ثم تتابع الشعراء، والكتَّاب، والأدباء، فمن لم يزد منهم على الموجود لم ينقص منه".