"قال أهل مكة لمحمد بن المناذر الشاعر: ليست لكم، معاشر أهل البصرة، لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة، فقال ابن المناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، وأكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم"...
أمران لابد لنا من تبيانهما من خلال أقوال الجاحظ: أولهما إشارته إلى اللغة العربية (في قديم الدهر) وصراعها مع اللغات الأخرى، وثانيهما أن كل قبيلة كانت تضع في الحسبان لغة القرآن، وأنها أقرب ما تكون إليه، وأن التقويم اللغوي أصبح يعتمد على الموازين القرآنية، بعدًا أو قربًا.
وإذا كان الأمر على هذه الحال بين أهل مكة وأهل البصرة، فهذا شامل كل مكان بلغته اللغة العربية، ولذلك كان لابد للجاحظ وغيره من المفكرين واللغويين من السعي لسلوك طريق يحفظ للعربية تراثها وأصالتها وسلامتها، ويبعد عنها عوامل فشو اللحن والفساد اللغوي.
التربية اللغوية
هكذا اهتم الجاحظ بأمر اللحن والفساد، فاتجه إلى بعث الأصالة العربية، وذلك بالاعتماد على التربية اللغوية لأهميتها في تقويم اللسان العربي وصونه من طوارئ الدخيل، فقال (81) :
"وكانوا يروون صبيانهم الأرجاز، ويعلمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتِّق اللهاة، ويفتح الجرم (82) ، واللسان إذا أكثرت تقليبه رق ولان، وإذا أطلت إسكانه جسأً (83) وغلظ".
كان الجاحظ يهدف في هذا المنهج اللغوي التربوي تأثيل الأصالة التراثية في النطق العربي، ذلك لأنها ترسخ أدوات اللغة، وتجنب المتحدث أساليب العامة في أخذ الضعيف، وتبنى الدخيل، بالإضافة إلى استساغة اللحن الذي يزيد في طغيان الفساد اللغوي بين الناس.
ومن المؤكد في نظرنا أن الجاحظ قد وضع كتابه الجامع (البيان والتبيين) لكي يكون تثقيفًا للسان العربي، وإبعاده عن عيوب النطق من الحصر والعي وغيرهما، بالإضافة إلى منع تسرب الفساد الطارئ بحكم التفاعلات اللغوية الدخيلة.