فهرس الكتاب

الصفحة 5732 من 23694

واستطرد بعد ذلك، فتحدث عن الفصحى، والجاري في اللغة على أفواه العامة، وذكر أن أهل الأمصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ من ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر (77) وخلص إلى القول متحدثًا عن الفصحى والجاري من اللغة على أفواه العامة (78) :

"وقد يستخف الناس ألفاظًا ويستعملونها، وغيرها أحق بذلك منها، ألا ترى أن الله، تبارك وتعالى، لم يذكر في القرآن (الجوع) ألا في موضع العقاب، أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون (السغب) ويذكرون (الجوع) في حال القدرة والسلامة...".

كما أورد ذكر (المطر) ، وأشار إلى أن القرآن لا يلفظ به إلا في موضع الانتقام، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر (المطر) وذكر (الغيث) ، وذكر (الأبصار) ، و (الأسماع) ، و (السموات) و (الأرضين) ، وقال:"والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر. وأولى بالاستعمال...، والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفها، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالًا، وتدع ما هو أظهر وأكثر..".

هذه هي بواكير فساد اللسان العربي، وظواهر اللحن اللغوي، كما لاحظها الجاحظ، وأدى هذا التطور الطارئ: من استخدام العامة الألفاظ في ما وضعت له، وإهمال الإعراب والحركات، إلى فشوّ الخلل اللغوي في اللسان العربي. كما أشار إلى أن هذا التداخل كان قديمًا جدًا قبل الإسلام، فقال (79) :"ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم...". ثم استطرد:"ولو علق لغة أهل البصرة إذ نزلوا بأدنى بلاد فارس، وأقصى بلاد العرب كان ذلك أشبه، إذ كان أهل الكوفة قد نزلوا بأدنى بلاد النبط، وأقصى بلاد العرب".

فلا غرابة بعد ذلك كله، إن رأينا تقويم أهل مكة للغة أهل البصرة كما في الخبر الذي رواه الجاحظ في أبي سعيد (80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت