فهرس الكتاب

الصفحة 5731 من 23694

وواضح من قوله في خطبته أنه يؤمن بالتطور وجمع اللغة من مختلف مصادرها، بعد خمسة قرون تقريبًا من نزول القرآن، ويمكن أن نجمل منهج الزمخشري بالخصائص التالية:

أولها: الاختيار مما وقع في عبارات المدعين، وانطوى تحت استعمالات المفلقين، أو ما جاز وقوعه فيها، وانطواؤه تحتها.

ثانيها: التوقيف على مناهج التركيب والتأليف، وتعريف مدارج الترتيب والترصيف، بسوق الكلمات المتناسقة، والاستكثار من كلم النوابغ.

ثالثها: تأسيس قوانين فصل الخطاب، والكلام الفصيح بإفراد المجاز عن الحقيقة، والكناية عن التصريح.

واختتم الزمخشري منهجه بقوله:"فمن حصَّل هذه الخصائص، وكان له حظ من الإعراب الذي هو ميزان أوضاع العربية ومقياس...، وأصاب ذروًا (75) من علم المعاني، وحظي برشَ من علم البيان، وكانت له قبل ذلك كله قريحة صحيحة، وسليقة سليمة، فحل نثره، وجزل شعره، ولم يطل عليه أن يناهز المقدَّمين"...

والملاحظ أن الزمخشري يتبنى الإقرار بالتطور الذاتي، ويؤمن ببلوغ الإبداع والابتكار في كل زمان ومكان، وليس ذلك مقصورًا على القدماء السابقين، أو على عصر الاحتجاج، وإنما نراه يحث ويشجع على ذلك، ويشترط لأجل ذلك بعض الشروط التي ذكرناها من قبل، ويمكن لكل من فقه سر العربية أن يتفق على السابقين المتقدمين.

ولابد لنا، بالإضافة لما تقدم، من بحث الآثار اللغوية المتمثلة في الاتساع والشمولية في هذا الدفق اللغوي الجديد بعد اتساع الفتوح شرقًا وغربًا فكثرت المترادفات وفشا اللحن بسبب ترك الإعراب، وأدى ذلك بالتالي إلى فساد اللسان العربي .

اهتم الجاحظ بهذه الظاهرة ولعلها كانت مظهرًا من مظاهر الشعوبية اللغوية في عصر، إن صح التعبير. ففي حديثه العابر عن لثغة واصل بن عطاء، ذكر أنه"كان إذا أراد أن يذكر (البر) قال: (القمح) ، أو (الحنطة) ، والحنطة لغة كوفية، والقمح لغة شامية"... (76) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت