فهرس الكتاب

الصفحة 5730 من 23694

"من كانت مطامح نظره، ومطارح فكره الجهات التي توصل إلى تبين مراسم البلغاء، والعثور على مناظم الفصحاء، والمخايرة بين متداولات ألفاظهم، ومتعاورات أقوالهم، والمغايرة بين ما انتقوا منها وانتخلوا، وما انتفوا عنه فلم يتقبلوا، وما استركُّوا واستنزلوا، وما استفضحوا واستجزلوا، والنظر فيما كان الناظر فيه على وجوه الإعجاز أوقفَ، وبأسراره ولطائفه أعرفَ، حتى يكون صدر يقينه أثلج، وسهم احتجاجه أفلج، وحتى يقال: (هو من علم البيان حظيٌ، وفهمه فيه جاحظيٌ) .."

يؤكد رأي الزمخشري، وهو من مخضرمي القرنين الخامس والسادس الهجريين، أن اللغويين واللسانيين العرب كانوا ذوي طبع متحرر مرن، يأخذون بالسائد الشائع على رأي الجمهور، ضمن هذا المنهج اللغوي العربي، فلم يجمدوا عند المأثور والمنقول من وجوه اللغة، ولم تمنعهم آيات الإعجاز، وإنما رأيناهم يتمثلون البلاغة اللغوية، فيضعون لها أسسها الجديدة تدعيمًا، متابعين سنة التطور اللغوي الذاتي، وهذا الأمر يتجاهله أرباب الحداثة من دعاة العامية، فينعتون العربية بالعقم والجمود، لأنها ـ في اعتقادهم ـ لا تستجيب لمتطلبات المجتمع العربي.

إن الزمخشري وهو من المولدين المتأخرين، كان صاحب نظر لغوي ثاقب، فلم يمنعه تأخره الزمني عن إدراك الحاجة إلى تدبر اللغة، وضرورة الانتقال من التراث المأثور إلى الاصطلاحات المستجدة، وإقامة الربط بين الحقيقة والمجاز، والطبيعة والبلاغة، والأصالة والإعجاز، فقدم بذلك عملًا لغويًا جبارًا، وقد أبرز أهمية عمله اللغوي بقوله (72) :

"وهو كتاب.. فُلِيَت (73) له العربية، وما فصح من لغاتها، وملح من بلاغاتها، وما سمع من الأعراب في بواديها، ومن خطباء الحلل في نواديها، ومن قراضبة (74) نجد في أكلائها ومراتعها، ومن سماسرة تهامة في أسواقها ومجامعها..".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت