ولم يقتصر على ما ذكرناه، وإنما أبرز لنا وظائفها مستطردًا ذاكرًا أنها"أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء والزند للنار ولم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحر في جلائلها ودقائقها، إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة الذي هو عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلًا يحسن أثره، ويطيب في الدارين ثمره..." (69) .
وقرن الأمة باللغة، فقال (70) "والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة".
المنهج اللغوي العربي
يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن صفة التقديس والإعجاز لم تمنع اللغويين من النظر في بنية اللغة تهذيبًا وتثقيفًا وتشذيبًا واختبارًا، وتبيان ما هو صالح مقبول، وما هو وحشي مستكره، وهذا الجانب على غاية من الأهمية، ذلك لأنه يبعد عنها سمة الجمود، وتبقى بذلك حية في الفكر وعلى اللسان، وهذا يؤكد ما ذكرته من طبيعة التطور الداخلي.
إن الملاحظ أنه ما استشرى الفساد اللغوي في اللسان العربي، في أي عصر من عصوره، إلا تصدى لتلافيه ورأب صدعه كبار العلماء والأدباء والمفكرين على اختلاف نزعاتهم، وإصلاح الخلل الطارئ، واللحن الفاشي، وهذا ـ في اعتقادنا ـ عام حاسم أسهم بشكله الفعال في حفظ اللغة، كما أنها ـ بطبيعة الحال ـ تمتلك التفاعل الذاتي والحركة النبيوية، مما يساعدها على تطورها وتكيفها، وفي هذين الأمرين سر خلودها وبقائها.
أكد هذا المعنى الزمخشري في خطبة أساسه، واستطرد بعد حديثه عن"النبي العربي المفضل باللسان، الذي استخزنه الله الفصاحة، والبيان"فقال (71) .