فهرس الكتاب
وتفسير ذلك -في نظر هوبز- أن هذا"العملاق"لم يكن طرفًا في العقد السياسي الموهوم الذي ابتدعه هو من صميم تخيله الفلسفي، لِيحُلَّ به -على زعمه- مشكلة"السيادة"وأساس نشوء الدولة -كما هو معلوم- فكان حل ذلك -كما رأيت- عن طريق فكرة"الحاكم المستبد المطلق"!! ذلك مبلغه من العلم!
على أنك لو رحت تستقصي أسباب هذا الخيال المريض المسرف، لوجدته ثمرة لهذا الصراع العنيف الذي كان محتدمًا في بيئته وعصره هو، بين"الملك والبرلمان" (23) آنًا، وبين"الملك والكنيسة تارة أخرى، فأراد أن ينتصر"للملكية"ولكن بوصف كونها مطلقة مستبدة!! إذ رآها هي الوسيلة السياسية الناجعة لمعالجة الوضع القائم آنذاك."
هذا، وقد أسلفنا، أن"الفكر السياسي الموضوعي الرشيد"ليس صدى لردود الأفعال النفسية، أو الأهواء الطاغية، أو ليس أثرًا لظروف معينة، في بيئة معينة، بل لا بد- ليكون الفكر موضوعيًا شاملًا- من أن يحلِّق في الأفق الإنساني الرحب، بحيث تجد فيه كل نفس، أو أمة، حلًا لما يساورها من مشاكل، وما ينزل بساحتها من مُلمَّات!! وما تطمح إليه -بفطرتها- من ارتقاء، وتسام.
غير أن"هوبز"-فيما يبدو- قد أورد على"سلطة"ما أسماه"العملاق"-أي الملك أو رئيس الدولة- فكرة"القانون الطبيعي"أو ما أطلق عليه"القانون الإلهي"وهو -كما تعلم- قانون مبهم، غامض، غير مسطور، ولا محدد، وكان أن اتخذه فلاسفة المذهب الفردي، إبان الثورة الفرنسية -كما نعلم- ظهيرًا"للفردية المطلقة"التي تجعل من الفرد، وصالحه الخاص، محورًا للتشريع كلِّه، دونما نظر إلى"الصالح العالم"بوجه مستقل، تطرفًا منها ومغالاة، وكان من نتيجة ذلك، أن أطلق للفرد حرية التصرف في حقوقه، ولو أضرَّ بالصالح العام، دون محاولة من المذهب الفردي، للتوفيق بينهما عند التعارض، وهو أصل نشأة الرأسمالية الطاغية في أوروبة.