فهرس الكتاب
فهل يعني فشل الصين عمليًا في فرض احتلالها العسكري المكشوف، مثلما فعلت في شمطرة وفي سيلان، أو المستور في باقي الأماكن، إخفاقها في سائر الميادين؟ كلاَّ. فقد حققت لنفسها مكاسب جمة، وجنت الأمم الأخرى فوائد جليلة.
1-مكاسب الصين من حملاتها البحرية:
فالمكسب الأول للصين جغرافي، إذ حصلت على أخبار صحيحة ودقيقة ومستفيضة عن جغرافية بحر الهند وجزره وسواحله، تختلف كليًا عن حكايات السفار وروايات الرحالة المنمقة. وشملت تلك المعارف النبات والحيوان والثروات المعدنية والمحاصيل الزراعية وأحوال الشعوب وأديانها ولغاتها، إلى جانب الظواهر الطبيعية كالمناخ والمياه وغيرها (قاسوا الندى في مكة فبلغ ثلث انش في الليلة الواحدة) .
والمكسب الثاني تجاري لأنهم تعاملوا مع كل بلد مروا به مباشرة وبلا وسطاء. فباعوا كميات السلع الصينية الهائلة التي حملوها معهم مثل أصناف الحرير والخزف. واشتروا بأثمانها بضائع محلية مثل الحجارة الكريمة والمعادن والأدوية والأسود والفهود والخيول والزرائف والحمر الوحشية المقلمة والإبل والنعام والمنسوجات القطنية واللآلئ.
والمكسب الثالث علمي ملاحي فلكي تطبيقي. فالصين أسهمت في تقدم علم الفلك على نطاق واسع، ولمع علماء الهيئة عندها منذ القرن الرابع قبل الميلاد، وراقبوا عيانًا 14020 كوكبًا مقابل 1022 عند بطليموس. ولملاحيهم نجومهم وقياساتهم وأدواتهم الخاصة التي تذكر بالنهج الملاحي العربي، حتى فيما يختص بالبوصلة المسماة الإبرة المغناطيسية المائية. وكانوا يطبقون الهداية بالنجوم في المياه البحرية القريبة من برهم. وأتاحت لهم رحلات القرن الخامس عشر أن يختبروا علمهم الملاحي في جميع أنحاء بحر الهند، وتثبتوا من صحته وتعلموا طرقًا بحرية جديدة أوصلتهم إلى جزيرة العرب وملندي. فأصبح معالمتهم وتجارهم قادرين على القيام بأسفار فردية يكتنفها الحد الأدنى من الأخطار والمغامرة.