فهرس الكتاب
فلنتفق الآن على أن كل ما يحرك الأدب والشعر، يعتبر تراثًا، في حين نعتبر القديم كل ما سبقنا زمنيًا. ويترتب على هذا، أن القديم في حالة ثبات أبدي، طالما أنه يتحدد بالزمن لا بالفاعلية، وأن التراث هو ذلك المتحرك الذي يتغير بتغير الزمن. ففي كل مرحلة من مراحل تطورنا الحديث، نلاحظ أن ثمة سيطرة لعناصر من"القديم"اتحدت بعضها مع بعض وانفرزت عن غيرها، وشكلت"كلًا"يؤثر بفاعلية في حياتنا. وأذكر على سبيل المثال، وفي مرحلة عشتها، وإن كل وعيي بها يومئذ أبعد ما يكون عن الاستيعاب والشمولية، أننا كنا نتمسك بكل ما يدل على القوة والعزة والكرامة، في أدبنا القديم، لا لشيء إلا لمقاومة المنتدبين الفرنسيين، انتشرت حكايات الزير سالم وعنترة وأبي زيد الهلالي. أمسياتنا كلها كانت تنقضي بالاستماع إلى الراوي. بل إن"سبَت" (صندوق) العروس ما كان ليقبل إن لم تلصق عليه صورة كبيرة ملونة للزير وهو يشق رأس جساس والدم متناثر من الضربة، أو صورة عنترة يبارز خصمه والهودج يحمل له عبلاه. وما إن تحقق الاستقلال حتى تلاشت هذه المظاهر تدريجيًا.
وإذا راجعنا أدبيات العرب أيام الأتراك، رأينا التراث يجتمع حول نقطة كبيرة هي العدل، إن معظم التمثيليات التي كانت تقام، تتركز في النهاية حول ضرورة إحقاق العدل، فالتراث شيء حي يخضع للتطور والتبدل. ففي كل مرحلة زمنية تبرز معالم تراث خاصة، تجمعها بعضها مع بعض وتشكل منها"كلًا"تلك الضرورة التي تفرضها الظروف، أو قل الحاجة التي نشعر بأن هذا النوع من التراث يسدها. وبما أن الحاجات تتغير وتتبدل فإن من الطبيعي أن تطلب هذه"الحاجة"شيئًا معينًا من"التراث"وليس كل التراث القديم. وهكذا نكون أمام ما سميناه"التراث الحي"الذي يفعل فعله في حاضرنا.