فهرس الكتاب
وهنا تبرز مسألة"الكلاسية"، بأي شيء نربطها، بما احتجنا إليه، أم بكل ما هو قديم؟ وبما أن هذا المصطلح مرتبط بالفن والأدب، فإن من الممكن الادعاء بأن"الكلاسية"هي ذلك الجزء من التراث الذي يظل محتفظًا بتأثيره في كل المراحل. ولا نستطيع الركون ركونًا كليًا إلى مقولة إيليوت بأن الكلاسية تعني"النضج". إنه يرى أنه لا وجود للكلاسية إلا حينما تنضج المدنية، وحينما تنضج اللغة وكذلك الأدب. وهذه رؤية جريئة، تشتمل على شيء من التناقض فلا يمكن العثور على مدنية ناضجة، ماديًا وأدبيًا، إن التطور المتفاوت سنة عامة، فلا يمكن الزعم أن الأدب الناضج نتاج مدنية ناضجة، إلا إذا جعلنا المدنية الناضجة محصورة بالفترة الزمنية الأدبية الناضجة، أي نأخذ صفات المدنية في فترة الأدب الناضج، وندعي بأنها المدنية الناضجة. ولو كان الأمر على هذا الشكل لأنتجت لنا المدنية السكندنافية، وهي أرقى مدينة في هذا العصر، أدبًا ناضجًا، بينما نجد أن الأدب السكندنافي لا يشكل حضورًا في التراث العالمي. ولو نظرنا إلى أميركا اللاتينية، لوجدنا نضجًا أدبيًا، من غير أن نضطر إلى القول أنها ذات مدينة ناضجة. ثم ماذا نعني بالنضج؟ هل هو النضج الوجداني أم المادي، أم التطابق بين الطرفين؟ وهل التطابق بين الطرفين يؤدي إلى الإبداع، أم التباين؟ والمذهل أن العودة إلى التاريخ تأتيك بأمثلة تؤيد الوجهتين، فما من ناموس ظل ثابتًا ومستمرًا، في ميدان الإبداع الأدبي الذي نحن بصدده. ولكن الأرجح أن يكون التباين أشد حفزًا للإبداع، في حين لا يصل الاستواء والاعتدال إلى ذرى إبداعية مرموقة وطيدة.
من أي معين ينبجس الإبداع؟
لنحدد الكلمات الثلاث السابقة، إن القديم هو الغابر زمنيًا، سواء أكان حاضر الفعالية أم لم يكن. والتراث هو ذاك القديم الذي يمتلك حضورًا فعالًا في العصر.