فهرس الكتاب
ولا بد من أن يكون إسماعيل في هذه الأبيات يتحسر على رقاد قومه من الفرس هذا الرقاد الطويل الذي يقض السهد مضاجعهم فيه، وهو يتحسر على الماء (يعني أهداف الشعوبية الكبرى) الذي هم ظمئون إليه (بمعنى أنهم يطمحون إلى الوصول إليه) ، ثم إنه في البيت الثاني يستنهض قومه لركوب الأحوال المتقلبة لعلهم يصلون إلى مآربهم من خلالها، ويذكر هذا الحب الجارف المتمرد لقومه الذي انبعث بعد سلوة كاملة وهمود طويل، وفي البيت الثالث يذكر لوم الناس له وتوبيخهم إياه على هذا التصابي (يعني به العودة إلى عهد العز والقوة والمجد لدولة فارس) ويذكرهم أن عظماء قومه من قبل قد أحبوا هذه الغواني (أي كل ما هو جميل وبارع الحس= الدولة الساسانية) ، وفي البيت الرابع يرمز لقومه أو دولتهم، وربما رمز لهما معًا باسم محبوبته"سلمى"، وفي الشطر الثاني يظهر حرارة حبه لها، أعني: الدولة القديمة التي انطوت صفحتها على يد العرب المسلمين. ... إمام من المعروف غير المصرَّد
فإذن، نحن نقف أمام مجموعة باهرة من الرموز الخفية، التي انطلت -بظاهرها- على الخليفة عبد الملك وعلى غيره من معاصريه، وهذا يدلك على أن إسماعيل كان رجلًا داهية ماكرًا إن قال هذه المقدمة الغزلية الرمزية عن وعي تام لما يقول، ويكشف -إن كان قالها دون إدراك لما تضمه من هذه الرموز- عما كان يخالط قلبه وعقله وضميره من مشاعر وآمال وطموحات بأن يعود لقومه ماضيهم المجيد ودولتهم العظيمة القوية. أو لم يسأله عبد الملك قبل إنشاده هذا الشعر قائلًا:"الآن يا بن يسار! إنما أنت امرؤ زبيري، فبأي لسان تنشد؟" (48) فأجاب:"يا أمير المؤمنين، أنا أصغر شأنًا من ذلك، وقد صفحت عن أعظم جرمًا وأكثر غناء لأعدائك مني، وإنما أنا شاعر مضحك" (49) ، يريد بذلك أن يتنصل مما نسب إليه من هوى زبيري وأن يدفع عن نفسه عداءه للأمويين، وكل هذا نفاق ظاهر دون ريب.
وفاته