فهرس الكتاب

الصفحة 6236 من 23694

يبدو أن صفتي المداهنة والمكر كانتا تشكلان شطرًا من شخصية شاعرنا إسماعيل تتحكمان في سلوكه ومواقفه وتكسبان آراءه أثوابًا جميلة فتانة للناظرين، لا تلبث أن تتلون بألوان أخرى ملائمة لمواقف أخرى في حياته. وشاهدنا على ذلك وقائع وأخبار من سيرة حياته نفسها. ولعل شعوبيته المعهودة عنه غرست في نفسه هاتين الصفتين غرسًا قويًا، لأن من حقد على قوم، وهو بينهم، لا بد من أن يداريهم ويصانعهم ليحفظ حدًا أدنى من العلاقات الطيبة معهم تكون له عونًا على الحياة، فهو حائر ما بين حقيقة نزعته وبين متطلبات واقعه، لا يستطيع أن يجهر بحقده الدفين على العرب فيضطر إلى أن يواريه ويورِّي عنه ويكني، ومهما تكن حجب نفسه كثيفة فإنها تشف عما في دخيلتها وتكشف عن مكنونها الأصلي الذي لا تصنَّع فيه ولا تكلف، وما تصريحه بالفخر بالعجم إلا كشف مباشر لهذا المكنون، ولكنه يعجز عن تحمل أعباء هذا التصريح دائمًا، ولا سيما في بعض الأوقات التي تشهد تحولات كبيرة لا تسمح له بأن يعبر عن رأيه دون أن ينال عقابًا شديدًا أو رفيقًا، بشكل أو بآخر. ومن ذلك هذا التحول الكبير في الحجاز من سلطان ابن الزبير إلى سلطان بني أمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت