فهرس الكتاب
فهو مثلًا انقطع في خلافة ابن الزبير إلى آل الزبير، وهو يظن أن ملكهم دائم، حتى إذا انتهى هذا الملك أخيرًا لم يجرؤ على السعي مباشرة إلى الأمويين بالشام لمدحهم، ولم يعمد إلى قطع صلاته فورًا بمن بقي من آل الزبير وأبرزهم عروة بن الزبير نفسه، لأنه كان لا يزال ينال منهم عطاياهم، وهي مضمونة له، في حين أنه إذا اتصل بالأمويين فهو غير ضامن لجوائزهم من جهة وهو يخشى أن يقطع عنه هؤلاء الزبيريون الذين يعاشرهم بالمدينة الجوائز، ثم إنه لم يكن يميل إلى مغادرة المدينة، وبقي على هذه الحال حتى اتصل عروة بن الزبير نفسه بعبد الملك بن مروان حين رحل إليه في أواخر سنة 85 وأوائل 86هـ، فلم يعد أمامه أي مانع يحول بينه وبين السعي إلى هؤلاء الأمويين، ولا سيما أن عروة قد ألح عليه بأن يصحبه في هذه الرحلة الأولى بعد اثني عشر أو ثلاثة عشر عامًا من مقتل أخيه على يد جيش الأمويين، إذ لم يجد بدًا من مهادنة عبد الملك والإقرار له بالملك، ما دام الصراع بينه وبين أخيه كان صراعًا شريفًا قام رجلًا لرجل. ولما دخل إسماعيل على عبد الملك قال يلومه على إبطائه عنه، وهو عالم بحاله وحقيقة أمره، وقد ذكر له هواه الزبيري:"الآن يا بن يسار! إنما أنت امرؤ زبيري، فبأي لسان تنشد؟"
فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أصغر شأنًا من ذلك، وقد صفحت عمن هو أعظم جرمًا وأكثر غناء لأعدائك مني، وإنما أنا شاعر مضحك" (51) . ويبدو لنا بوضوح من هذا الحوار المقتضب الذي نقل إلينا أن كلًا من عبد الملك وإسماعيل يدرك عذر الآخر وحقيقة موقفه، وقد لمح إسماعيل للخليفة إلى أنه صفح عن عروة وهو أشد خطرًا عليه منه وهو الشاعر الذي لا أهمية له لأن وظيفته هي إضحاك الناس، فكان هذا الرد كافيًا لشفاء نفس عبد الملك مما وجد به على الشاعر، ولا سيما أنه تنصَّل أو كاد يتنصل من هواه الزبيري."