فهرس الكتاب
ولا يقف هذا الموقف المداهن وحده، وإنما يثبت نفاقه في شعره، فأما المطلع الغزلي الذي مهد به لمديح الخليفة فقد شحنه برموز شعوبية وكنَّى عن حقيقة مشاعره التي يحس بها في نفسه في قالب ظاهري لا شية فيه ولا غبار عليه، وقد مر بنا الحديث عنه، ثم يؤكد لنا هذا النفاق قوله في القسم الثاني من القصيدة مادحًا (52) :
ملكتَ فزدت الناس ما لم يزدهم
وقمت فلم تنقض قضاء خليفة ... ولكن بما ساروا من الفعل تقتدي
ولما وليت الملك ضاربت دونه ... وأسندته لا تأتلي خير مسند
فهو في البيت الأول، كأنما يلمح إلى بخل ابن الزبير وانقباض يده عن الناس وشحه في الجوائز والعطايا، وهو يذكر مضاربته دون الملك، حين وليه، أولئك الأعداء الذين يقف على رأسهم ابن الزبير، وهل تريد عقوقًا وخيانة للعهد أكبر من هذا العقوق وتلك الخيانة في هذه المعاني لمن انقطع إليه حوالي عشر سنين وخصه بشعره هو وآله؟ ... ولا زرنا حسينًا يا بن أنس
ويبدو أن الشاعر مال إلى هذه المداهنة وفضل أن يمارس هذا النفاق دفعًا لشكوك الأمويين فيه من جهة، وكسبًا لجوائزهم من جهة ثانية، والحي خير من الميت إذ لا يستويان، مما يؤكد لك أن زبيرية إسماعيل إنما هي طلاء خارجي محت السنون آثاره وأبدلت به طلاء آخر جديدًا، ليس في حد ذاته أيضًا غير طلاء ظاهري، آثر الشاعر وآله أن يتخذوه سترة وراءها نيَّات مختلفة، ووجد الشاعر نفسه غير مستعد للمواجهة من جهة وللإخلاص لحزب سياسي جديد من جهة ثانية، ودفعه هذا كله إلى أن يخلص حقيقة لقضية واحدة هي قضية العجم ببكاء ملكهم الزائل والطموح إلى استعادة هذا الملك ليمحو سلطان العرب جملة، أو يشارك فيه على أقل تقدير.