فهرس الكتاب
ونذكِّر هنا بموقف المداهنة والنفاق الذي مر بنا في إحدى الفقرات الماضية، أعني به موقفه من الغمر بن يزيد وقد حُجب عنه وخبر مروانيته وتفسيره لهذه المروانية، حيث يظهر لك عمق الكره الذي يعتمل في صدره لآل مروان من منطلق شعوبي محض، لأنهم كانوا في نظره رمزًا لسلطان العرب المتمكن الممتد في البلدان المختلفة آنذاك، ورمزًا للقوة التي ثلَّت عروش الأكاسرة ومحت دولتهم محوًا نهائيًا.
مُندِر ساخر
ذكر أبو الفرج أن إسماعيل كان"طيبًا مليحًا مندرًا بطَّالًا" (53) ، ونظن أن صفة"الطيِّب"هنا ليست مقابلة لصفة"الخبيث"لأن إسماعيل كان -كما مر بنا- ذا مكر وخبث، ولكن الطيب في هذا الموضع، على الأغلب، يعني حسن المعشر، لأن حسن المعشر يختلف في جوهره عن جوهر الطيبة أو الخبث، وأما صفة"المليح"فتعني الحسن ويكون ذلك في السيرة وفي الخلق على حد سواء، ويمكن أن تنطبق هذه الصفة على شاعرنا، وأما المندر فهو الذي يأتي بالنوادر من الكلام، أي ما شذ وظهر من هذا الكلام، ويكون ذلك في المواقف والأقوال المتميزة التي تلفت الانتباه لما فيها من طرافة وإدهاش، وأما البطَّال فهو الرجل كثير الهزل واللهو والمزاح.