فهرس الكتاب

الصفحة 6240 من 23694

من كل هذا يتبين لنا أن الطبع الغالب على إسماعيل هو ميله إلى اللهو والمرح والسخرية، وتتجلى كل هذه الميول في بعض أخباره من جهة وفي بعض أشعاره التي وصلت إلينا من جهة أخرى. فمن أخباره أن عروة بن الزبير حين خرج إلى الشام اتخذ إسماعيل عديله في المحمل، فلما استوى كل منهما في هذا المحمل سأل عروة غلامه:"انظر كيف ترى المحمل؟ قال: أراه معتدلًا. قال إسماعيل: الله أكبر، ما اعتدل الحق والباطل قبل الليلة قط (54) . فضحك عروة من عقد إسماعيل هذه المقارنة بينهما، وإذا حللنا عنصر الاضحاك في هذا الكلام، وجدنا أن الحق نقيض للباطل لا يساويه في الواقع بأي شكل من الأشكال، وهما في صراع لا يجتمعان ولا يتماثلان في شيء من الأمر، غير أن هذه المفارقة أصبحت فجأة موافقة ومعادلة ومساواة، وهذا ما لا يقبله العقل ولا المنطق، فصارت صورة الحق والباطل، وهما متعادلان، خرقًا لهذا المنطق فأثارت هذا الضحك دون ريب لانعدام التناسب بين طرفي هذه المعادلة، ثم إن هنالك عنصرًا آخر مثيرًا للضحك وهو إقرار المرء على نفسه بما لا يُقر به عاقل على نفسه حقيقة (وهذا واضح من جعل عروة يمثل الحق، وجعل نفسه يمثل الباطل، يعني أن أحدهما حق والآخر باطل) ، وكانت غاية هذه المقارنة وذلك الإقرار هي اضحاك عروة، أي أن إسماعيل عمد إلى ذلك عمدًا، مستغلًا الموقف الذي كان يراقبه أو يجري أمامه. وتظل هذه الطرفة ذات صدى في نفوس سامعيها يرويها بعضهم عن بعض في مجالسهم وأسمارهم، وهذه الحادثة دليل أكيد على سرعة البديهة عند إسماعيل، ولكن البديهة ليست حاضرة في كل وقت، وإنما هي تبدو من حين إلى حين في حياته العامة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت