فهرس الكتاب

الصفحة 6241 من 23694

ونعثر في حياة إسماعيل على حادثة أخرى لا تقل عن السابقة خطرًا في الدلالة على ميل الشاعر إلى الهزل وعلى حضور بديهته وتوقدها، وهي أن إسماعيل دخل ذات مرة على جماعة من أصدقائه وأصحابه وعندهم رجل طيب الحديث ظريف، فقالوا: جاء صديقنا إسماعيل بن يسار، فلما سمع الرجل ذلك أقبل عليه فقال:"أنت إسماعيل؟ قال: نعم. قال: رحم الله أبويك فإنهما سمياك باسم صادق الوعد وأنت أكذب الناس. فقال له إسماعيل: ما اسمك؟ قال: محمد. قال: أبو من؟ قال: أبو قيس. قال: لا، ولكن لا رحم الله أبويك، فإنهما سمياك باسم نبي، وكنياك بكنية قرد" (55) ، فما كان من الرجل إلا أن أفحم وما كان من الحاضرين إلا أن ضحكوا من هذا الرد ضحكًا دعا الرجل إلى ألا يعود بعدها إلى مجالسته أو مجالسة أصحابه هؤلاء. ولعل عنصر الاضحاك في هذه الحادثة هي رد إسماعيل على الرجل بالأسلوب نفسه، فكال له بكيله، وأما العنصر الثاني فهو هذه المفاجأة في الرد، وكان العنصر الثالث هو أن الرجل تهكم على إسماعيل من اسمه الذي له دلالة صادقة في حين أن صاحب الاسم كاذب، فكان أن رد عليه إسماعيل الصاع صاعين بأن استغل اسم الرجل وكنيته معًا مظهرًا التفاوت العظيم بين اسم النبي r الذي تسمى به الرجل وكنية القرد التي تكنى بها، وزاد على ذلك قلبه دعوة الرجل الطيبة"رحم الله أبويك"إلى النقيض فقال له:"لا رحم الله أبويك". ومجموعة هذه العناصر هي التي أثارت ضحك القوم كل هذا الضحك، مما يدلك على قدرة إسماعيل على استغلال الموقف الذي يكون فيه ليحوله تحويلًا مباشرًا إلى موقف مضحك، غير أن أشعب استطاع أن يفحم إسماعيل في موقف مر بنا في خبر سابق (56) وأضحك القوم الحاضرين عليه، مما جعله يخجل ويرتج عليه وتتعطل بديهته وتخونه فلم يجد ما يرد به على تعليق أشعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت