فهرس الكتاب
وأول سمات هذا النوع من الغزل أنه لا يكتفي بذكر امرأة واحدة، كما يفعل العذريون، بل إنه يتناول في كل قصيدة أو قطعة شعرية محبوبة مختلفة، ونجد إسماعيل يتغزل في شعره بعدة نساء منهن: جُمل، وسلمى، وسليمى (لعلها سلمى نفسها ولكنه صغر للتحبب) ، وكلثم، وهند. وإن دلك هذا التعدد على شيء فإنما يدل على أن هذه الأسماء إنما هي رموز للمرأة عامة وليس تخصيصًا لنساء معينات، ويشترك معظم الشعراء بذكر هذه الأسماء نفسها.
وتبدو لنا سمة بارزة أخرى في غزل إسماعيل تمت بصلة إلى هذه المدرسة، وأعني بها هذه المغامرة الغرامية الليلية التي يكون الشاعر فارسها، إذ يتسلل إلى حي محبوبته وقد ناموا وسكنت الحركة وهدأت الأصوات وخمدت النيران وازداد الليل ظلمة، ونجوم الليل تلمع في صفحة السماء فيدخل خدر المحبوبة أو غرفتها فتفاجأ به وتذكر له حراس القبيلة وأباها وعمها وخالها وإخوتها وهم يترصدون له يبغون اصطياده، فتبكي قليلًا وتبدي خوفها عليه منهم ثم تهدأ نفسها ثم يجنيان ما كُتب لهما أن يجنيا من لذات ومسرات طوال الليل حتى يفصح الصبح بأنواره الأولى، وعندها يودع كل منهما الآخر ويخرج الشاعر كما دخل متسللًا دون حس أو حركة يمكن أن تلفت الأنظار إليه، وواضح أن هذه المغامرة رافقها هذا الوصف الحسي للمتعة التي أصابها الشاعر من محبوبته، وهذه هي المغامرة كما يرويها إسماعيل نفسه إذ يقول في كلثم (63) :
أُخافِت المشي حذار العدا
ودون ما حاولتُ إذ زرتكم ... أخوك والخال معًا والعَمُ
وليس إلا الله لي صاحب ... إليكم والصارم اللهذم
حتى دخلت البيت فاستذرفتْ ... من شفق عيناكِ لي تسجم
ثم انجلى الحزن وروعاته ... وغُيِّب الكاشح والمبرم
فبتُّ فيما شئت من نعمة ... يمنحنيها نحرها والفم
حتى إذا الصبح بدا ضوؤه ... وغارت الجوزاء والمِرزم
خرجت والوطءُ خفيٌ كما ... ينساب من مكمنه الأرقم
محمود المقداد
كلية الآداب- جامعة دمشق
الحواشي: