فهرس الكتاب
ولا يكاد ينتهي أبو الوليد من هذا الإيقاع المعبر الذي يمتلئ بزخم عاطفته المشبوبة ويترجم ما في قلبه الكبير من طموح نبيل يليق بأمثاله من الرجال الشجعان إلى جانب ما فيه من نغم حزين، حتى يفاجأ بامرأته أم الوليد التي يحبها لفضلها وعقلها تقبل عليه بدفء نجواها حانية مترفقة به، وتجلس إلى جانبه تواسيه وترد له يقينه بنفسه، وبما ينتظره من ظفر ومجد هما كفاء وفائه لعروبته وعقيدته وكفاء شجاعته وبطولته في جهاد الروم فارسًا عربيًا ماضي الحد في سيفه ومروءته ويأنس أبو الوليد إلى الزوجة الحنون وهي تخاطبه قائلة: ... فليس سُؤْل الليل سُؤلك
هوِّن عليك أبا الوليد
ليل الحزانى ليس ليلك ... في المصاب وليس خلَّك
من ضامه حلك توقَّع ... من بنات الدهر أحلك
خلِّ الوشاة وما يقول ... الشانئون: عليك أو لك
إن ينبحوك فلن يبوئهم ... نباحهمُ محلَّك
لا تبتئس مما افتروه فلن ... يضيرك أو يضلَّك
أمَّرت نفسك بالبطولات ... التي لم تَبل مثلك
احمل جراحك في الأحبة ... واحتسب في الحب حملك
عزّ الهوى تأبى على ... غدراته أن يستذلك
دع ما يريب وشدَّ فيما ... لا يريب الله رحلك (2)
يا سامح الله الأمير ... بأي سوق باع نصلك (3)
سيف علوج الروم تذكره ... وتذكر فيه هولك
هل ساءه بكل عفة الحر ... الأبي فحط نزلك
أم أحفظته رجولة ... لم يلقها في الرهط قبلك
نصبوا الفخاج وراءه ... ومددت في عينيه سُبلك
وسعى الحرام بهم إليه ... وفي الحلال نسجت غزْلك
يا صائنًا عرض الحنيفة ... هل جزاؤك أن يغلك؟
أتراه يمنعك الوداد ... وفي الجفاء يريد قتلك؟
أي العطاء حرمته ... وعلاك للنفحات أملك؟
أعطيت ما شاء الإباء ... ولم تخن في الحق أهلك
بذْل الأمير لساعةٍ ... تمضي ويُغلي الدهر بذلك
أتباع للافك الذي ... في زحمة الحسد استقلك؟
أتراك في ساح الفداء ... أريته في الجود بخلك؟
أقصاك حين سقاك ... حادي الموت كرمته وعلَّك؟
وزواك كالإعصار مُنقضًا ... تروع الناس حولك
سيف الكرامة كنته ... والخيل فيها كنَّ خيلك
بَعُدَ الأمير بما أحبك ... في العلا وبما أجلك