فهرس الكتاب
وبعد مداورة ومباغته منه استطاع أن يتناول ذلك الرومي بسوطه الطويل ذي العقدة فأخذه به لفًَّا على عنقه حتى ملك عليه أمره، وشل حركته ثم اقتلعه باقتدار بيده من صهوة جواده وأتى به جرًا على أرض المعركة، إلى الأمير ابن هود الذي كان يراقب مع الجند المعركة بحذر ودهش. ... مني ومن كأس بلحظك دارا
على أن الأمير وقد رمى أبو الوليد بين يديه خصمه العنيد بالأسلوب البطولي الخارق وعفره بتراب الذل والهزيمة قام يهلل ويكبر مع جيشه للمأثرة، ثم عانق أبا الوليد، وجعل يعتذر إليه مما بدر منه بحقه بجناية الوشاة والمنافقين الحساد ثم كانت الكرة على جند الروم. وكانت لهم الهزيمة المنكرة.
لم يكن أبو الوليد، وهو يرى أم الوليد تقبل عليه عند دخوله إليها يتوقع أن يكون أحد سبقه فزف إليها بشرى الانتصار، وقص عليها ما قام به فقد لبثت أم الوليد تنتظر رواية القصة من زوجها نفسه لتترك له أن يشفي قروح قلبه وأن يفرح بنبأ مثير عن شجاعته ينقله هو إليها كانت هي صاحبة النبوءة فيه.
ويقتعد أبو الوليد المجلس الذي كان فيه معها في ليلتها الماضية وينطلق في سرد حكاية البطولة الخالدة في هذه القصيدة التي جمع فيها أطراف قصته فكان فارس البيان كما كان فارس الميدان:
أُم الوليد وعفوَ ما لحظ الهوى
ماذا أقول وليس سيفي في يدي ... يروي الحديث ويشرح الأخبارا؟
نقشته غاشية الدماء فأنبتت ... في صفحتيه ألسنًا تتبارى
يغنيك قبل سؤاله تبيانُها ... عن علم جوهره لظى وغرارًا
تروي فعال أبي الوليد لكل من ... جهل الفعال وأنكر المقدارا
ماذا أقول وليس تحت حمائلي ... درع أخوض به الغمار نهارا؟
أكل الأسنة فوق كل جراحة ... مني ورد حديدهن نثارا
طول الوقائع منه مدَّ أصابعا ... زرقًا تشير إلى السيوف قصارا
ماذا أقول وما على جسد الفتى ... إلا القميص عباءة وشعارا
لو جئت تقرأ خيطه في أسطر ... لقرأتَ ملحمة تئز شرارا
أم الوليد وما علي من العلا ... إلا هواك ولا هفٌ بي حارا