فهرس الكتاب
وقد كان لديك الجن من يحب فنه وينقل عنه. وحسبنا ما يرويه ابن عساكر على لسان سعيد بن يزيد الحمصي، قال:"دخلت على ديك الجن، وكنت أختلف إليه أكتب عنه شعره" (11) . فهل كتب سعيد هذا شعر الديك كاملًا؟ وإذا لم يكتبه كاملًا، ولم ينظمه في ديوان مستقل- وهو فيما يبدو من كلامه من المشتغلين بالأدب- فأين مخطوط القصائد التي كتبها؟
إننا لا نعثر في ديوانه المجموع إلا على النزر من القصائد المتكاملة، وأما ما تبقى فمقطوعات أو أبيات متفرقة في كتب الأدب والنقد؛ ويدل سياقها على أنها أجزاء من قصائد كاملة، وهذا يدل على غزارة شعر الديك، هذه الغزارة التي لم يصل إلينا منها إلا نيف وثمانمائة بيت.
ثم إن كتب الأدب والنقد حافلة بالشعر المنسوب لديك الجن الحمصي، ولقد جعلته هذه الكتب طرفًا رئيسًا في المقارنات والموازنات. وفي يقيني أن الناقد ابن وكيع التنيسي، كان يضع أمامه نسخة من ديوان ديك الجن عندما ألف كتابه (12) الذي درس فيه شعر المتنبي، وتتبع سرقاته وأعادها -من وجهة نظره- إلى مواطنها. ولقد كان شعر الديك من أهم المواطن التي سطا عليها المتنبي.
والذي يهمنا الآن هو اعتماد ابن وكيع على مخطوط لشعر الديك في بحثه، وإلا فكيف استطاع أن يعقد هذه المقابلات الدقيقة، ويختار المناسب من شعر ديك الجن ليجعله مصدرًا لشعر المتنبي؟ ونحن نعلم أن ما دوِّن في كتب التراجم والأدب لا يكفي هذا الباحث ولا يغنيه، كما نعلم أننا واجدون في شواهده شعرًا للديك، لم يرد في ديوانيه المطبوعين.
وما ينطبق على ابن وكيع ينطبق أيضًا على الرقيق النديم (13) وكتابه الذي تناول فيه الخمرة وأوصافها في الشعر. فهو لا يستطيع أن يتخير ما تخيره إلا من ديوان يسمح له باختيار الأبيات المناسبة ليستشهد بها على موضوعه المحدد.
كما أننا واجدون أيضًا بين شواهده شعرًا لديك الجن، لم يرد في ديوانيه المطبوعين.