فهرس الكتاب

الصفحة 6265 من 23694

وإذا كان من الثابت أنه لم يغادر بلاد الشام، ولم يفد على الخلفاء والأمراء مادحًا متكسبًا؛ فإن من الثابت أيضًا أن شعره كان يجري على ألسنة الأدباء والشعراء في الأمصار كما تحفل به كتب الأدب والنقد (8) وتدخله طرفًا في الموازنات التي تعقدها بين الشعراء في أغراض الشعر المختلفة. ثم إن مأساة الشاعر في محبوبته ورد، تكفي لتجعل ذكره يطبق الآفاق. فأين ذهب شعره؟ وأين ذهب ديوانه؟.

إننا لا نقع في كتب التراث على الكثير من أخبار الشاعر، وكأنها اتفقت جميعًا على إغفاله والوقوف عند مأساته في ورد، وكانت -في معظمها- عالة على أبي الفرج وكتابه الأغاني (9) تنقل عنه ولا تتجاوزه.

وفي ظني أن هناك عدة أسباب، اجتمعت فكانت سببًا في خمول ذكر ديك الجن وضياع شعره أو تضييعه. فانتماؤه إلى الحزب السياسي المعارض، حزب الشيعة، ومواقفه المتهتكة من المجتمع وقيمه الأخلاقية والدينية، وجرأته في الجهر بمعتقده ومواقفه؛ وفاجعته المأساوية بورد وما خلفته في نفسه من صدوع، ثم ما يحفل به شعره من مجون وتمرد وجرأة على القيم؛ هذه الجرأة التي كانت سببًا لاتهامه بالزندقة والإلحاد، حتى قال صاحب كتاب ديوان المعاني:"ومن كلام الملحدين لعنهم الله" (10) ثم أورد قول ديك الجن:

هي الدنيا وقد نعموا بأخرى

فإن كذبوا أمنتَ وإن أصابوا ... فإن المبتليك هو المعافي

وأصدق ما أبثك أن قلبي ... بتصديق القيامة غير صاف

ولكن هل تمنع هذه الأسباب مجتمعة وجود ديوان للديك؟ في رأيي أن لا. وقد وصلتنا دواوين لشعراء من معاصريه، ومن هم في طبقته الشعرية أو دونه مرتبة، بل إن بعضهم يفوقه فيما اتهم به من كفر أو الحاد أو زندقة، أو انضواء تحت لواء المعارضة السياسية لبني العباس؛ ولقد دفع بعضهم حياته ثمنًا لهذه التهم. وليس الناس جميعًا في عصره من الأتقياء، أو من أنصار العباسيين، بل إن لكل شاعر أنصاره ومحبي فنه ولونه الشعري. ... واحدًا في الندى بغير شريك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت