فهرس الكتاب
لقد نشأ بهاء الدين في بيت علم وأدب ودين وتقوى، والده حسين بن عبد الصمد عالم فقيه رياضي شاعر، ومن المعروف في العصر الحديث وباعتماد الإحصاء في النوابغ في بيوتات معروفة بالعلم أكثر احتمالًا منهم في غيرها، إذ ينشأ الفتى فيتلقى ثمرات العلم والمعرفة دانية قطوفها لديه، فلا بد من أن يفيد من هذا الجو العلمي وأن يتذوق حلاوته ويدرك علو درجات أصحابه. لقد كان هذا الأب الفاضل حريصًا على تخريج ولده في المدرسة الأولى مدرسة البيت خير تخريج سواء في الأخلاق الحميدة والمزايا الرشيدة وفي قرض الشعر والتفتح على عالم الرياضيات والعلوم وحب آل البيت، شأنه في ذلك شأن غالبية العلماء في ذلك الوقت إذ كانوا موسوعيين متبحرين في علوم شتى، وكان العلم في ذلك الزمان الغاية المثلى للإنسان المسلم، وكانت قيمة المرء فيما يحسن من علوم لا فيما يملك من مال ومتاع، هذا إلى وجود رعاع من الولاة والحكام لا همَّ لهم إلا جمع الحطام وتكديس المال الحلال والحرام.
ولم يكد الفتى يترعرع حتى جمع إلى حب العلم والتبحر فيه حب السفر والسياحة، شأنه في ذلك شأن أبيه، ويظهر أنه رافق أباه إلى قزوين وكانت في ذلك العهد عاصمة للصفويين وشهدت حركة علمية واسعة، ثم سافر أبوه إلى هراة وتركه. ونجد في شعر الفتى الناشئ رغبة في اللحاق بأبيه. وقد أصيب في قزوين برمد تطاول أمده فأزعجه يذكر ذلك في أرجوزته الطويلة:
بُلِيتُ في قزوينَ وقتًا برمد
يمنع من صرف النهار فيما ... يرضي اللبيب الحاذق الفهيما
من بحثٍ أو تلاوةٍ أو ذكر ... أو درسٍ أو عبادةٍ أو فكر
ولم يكن من عادتي البطالة ... لأنها من شيم الجهالة... الخ
ولكنه لم يلبث أن لحق بهراة التي أحبها فوصف طبيعتها ومرافق الحياة فيها وصفًا بديعًا في تلك الأرجوزة نفسها. ... ولا تصل الأيدي إلى سبر أغواري