فهرس الكتاب
ويذكر المؤرخون أن البهائي كان مطبوعًا على حب الحرية ومجافاة التصنع والتكلف، مشغوفًا بمظاهر البساطة في الحياة، حسن الاختلاط بالناس، محبًا للخير، ميالًا إلى التصوف السليم إلى جانب علومه الواسعة. ولا أستطيع أن أملك نفسي دون ذكر هذه النادرة في علاقاته بأقرانه، فقد حُكي أن الشاه عباسًا ركب يومًا إلى بعض متنزهاته وكان البهائي والداماد (صهر السلطان) في موكبه إذ كان غالبًا لا يفارقهما وكان الداماد عظيم الجثة والبهائي نحيفها، فأراد الشاه أن يختبر صفاء الخواطر بينهما فقال للداماد وهو راكب فرسه في مؤخرة الجمع وقد ظهرت عليه آثار الإعياء والتعب والبهائي في مقدمة الركب: ألا تنظر إلى هذا الشيخ كيف تقدم بفرسه ولم يمش على وقار كما تمشي أنت؟ فقال الداماد: أيها الملك! إن جواد الشيخ قد استخفه الطرب عمن ركبه فهو لا يستطيع التأني. ألا تعلم من ركبه! ثم قال للبهائي: يا شيخنا ألا تنظر إلى هذا السيد كيف أتعب مركبه بجثمانه الثقيل؟ والعالم ينبغي أن يكون مرتاضًا مثلك خفيف المؤونة. فقال البهائي: أيها الملك إن جواد الشيخ أعيا بما حمل من علمه الذي لا يستطيع حمله الجبال. فعند ذلك نزل الشاه عن جواده وسجد لله شكرًا على أن يكون علماء دولته بهذا الصفاء. وهكذا يسعد الزمان وأهله بأمثال هؤلاء العلماء المتواضعين المتعاونين على حين نجد في العصر الحاضر من ألمَّ بطرف من العلم يتنطع ويطاول الذرا العالية. هذا وكان البهائي واثقًا بنفسه عارفًا قدرها وهو القائل:
وإني امرؤ لا يدرك الدهر غايتي
أخاطب أبناء الزمان بمقتضى ... عقولهم كيلا يفوهوا بإنكاري