وفي الكتاب نفسه أيضًا برهان آخر على امتناع اللاتناهي يسهل الرجوع إليه (ج2 ص 51) ويذكر المؤلف برهانًا ينسبه إلى السيد السمرقندي على امتناعه (ج 2 ص 197-198) ويناقشه. وهذا يدل فيما يدل على أن العاملي كان مُدمن الفِكر في قضية إثبات الجزء أو نفيه. تارة يثبته وتارة ينفيه. فهو في هذه الحيرة العلمية يبدو في صف العلماء الحديثين إذ كان هؤلاء العلماء يُلحون على التنافر بين هذين الوصفين المقترنين عند دراستهم للظواهر الميكروفيزيائية: يلوح فيهما الاتصال فيخفى الانفصال أو يلوح الانفصال فيخفى الاتصال، فكأنهما وجهان لعُملةٍ واحدة لا نراهما معًا. وإن قصارانا أن نرى الوجه الواحد تلو الآخر.
وليس معنى كلامنا أننا نقبل براهين بهاء الدين العاملي في هذا الشأن، هيهات! ذلك أن أساليب البحث والبرهان العلميين قد تبدلت تمامًا حين تجاوز العلماء مقاييس الظواهر الفيزيائية في السلّم الإنساني وبلغوا فيما دعوه بالميكروفيزياء شفا المادة والطاقة أي نهاية أطرافهما. ومع ذلك فهم يتساءلون هل الكهرب أي الالكترون وحبة النور أي الفوتون قابلتان للانقسام أولًا؟ وهم يستشفون الجواب من أشكال المعادلات الرياضية التي تفيد صيغها كلًا منهما.
المهم هو أن نسجل قلق عالم كبير مثل بهاء الدين العاملي تجاه هذه القضية. وهو يشبه قلق العلماء المعاصرين وإن كنا نرى أدلته وأدلة أمثاله قديمًا من العلماء في غاية السذاجة. ولكنه يبدو أحصف موقفًا وأعمق فكرًا وأنفذ ذكاءً حين يتردد بين الجانبين كأن كلًا من الجانبين يتمم الجانب الآخر على حد اصطلاح فلاسفة العلوم المعاصرين. بل إن هذا القلق الفلسفي حول الاتصال والانفصال، حول الانقسام اللامتناهي أو الانقسام المتناهي جعل العاملي يُدخِل هذه المشكلة في بعض ألغازه التي كتبها تنشيطًا للتفكير.
وصفوة القول أن بهاء الدين العاملي فقيه صوفي نحوي لغوي أديب راوية شاعر مهندس رياضي فلكي. وكأنما عناه القائل: