فهرس الكتاب

الصفحة 6359 من 23694

وأما فيما يتعلق"بوقعة بدر الكبرى، مما يلي هذه الآية الكريمة التي تلونا آنفًا، فتجده صريحًا أيضًا في قوله تعالى: (لقد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يروْنهم مثليهم رأي العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار( آل عمران/3."

ولا ريب أن شدة العقاب، تؤذن بعظم أسبابه. هذا، وتأويل الآية الأولى، أن"الدأب"- كما يقول الإمام الطبري (71) هو في الأصل العمل المستمر، ويعني الإمام الطبري، أنه صار شأنًا، أو عادة مطَّردة متحكمة فيهم وفيمن قبلهم من الذين ترسَّموا خطاهم، وساروا على سنتهم، من تكذيبهم بآيات الله الدالة ببراهينها الدامغة على الحقيقة الكبرى لهذا العالم، وارتباطه بالألوهية خلقًا وتدبيرًا ومصيرًا، وهو تكذيب بعد قيام الحجة، مما يعتبر مكابرة أو عنادًا دافعًا إلى النكوص عن أداء أمانة التكليف، وهي رسالة الاستخلاف في هذا العالم، عمرانًا، وحضارة إنسانية، وإقامة للحق والعدل فيه، وتحقيقًا واقعيًا للمثل العليا، والفضائل، والقيم الروحية، بحيث تصبح أوضاعًا قائمة في المجتمع، وتكذيبهم أيضًا بما يتصل بتلك الحقيقة الكبرى لهذا العالم، من أن الحياة الدنيا فيه موصولة بالآخرة، مما يفسر غائية الأولى تفسيرًا ينفي عنها معنى العبث، والسدوية، واللامعقولية، كما يستبعد عن الفكر الإنساني ما يشل طاقاته، من فكرة الفناء الأبدي الرهيب، لقوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا، وأنكم إلينا لا تُرجعون (( 72) .

هذا، ولا ريب، أن التكذيب بعد قيام الحجة الدامغة- كما قلنا- مكابرة بل كفرٌ لا يسوغه منطق إنساني سليم، ومن هنا، عوجلوا بالعقوبة من أخذهم نكالًا، وإهلاكهم جزاء وفاقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت