فهرس الكتاب

الصفحة 6358 من 23694

الثاني: وجوب تبيُّن"الأصول العامة"التي تنتظم تلك الوقائع بنتائجها الحتمية، مستخلصة من جزئيات تلك الأحداث، كل طائفة منها متشابهة في طبيعتها ونوعيتها، ترتبت على مقدمات متشابهة أيضًا طبيعة وظروفًا، من حيث البواعث، والقصود، وما تتخذ من ألوان السعي، والنشاط، والفاعلية، وما يستلزم ذلك كله من (الآثار المادية الظاهرة التي هي من مدركات الحس تجسدت على أرض الواقع، وتحكمت في مجرى التاريخ أثرًا لسنن الله فيها، مما يقيم البرهان الساطع، والحجة البالغة، على صدق تلك الأصول العامة في مقتضياتها، إذ ليس ثمة أدل على صدق الأصل العام من تحقق آثاره، صدى لقوة نفاذه، واستحالة تخلفه! وهو ما يطلق عليه القرآن الكريم"سنة الله"وهي نظام نافذ في الحياة والأحياء، بما هو من وضع الله تكوينًا، بل هي- بنص الكتاب العزيز- قدرٌ مقدور، لقوله جل ثناؤه: (سنة الله في الذين خلوا من قبل، وكان أمر الله، قدرًا مقدورا(، وقوله عز وجل: (يريد الله ليبين لكم، ويهديكم سنن الذين من قبلكم (( 70) .

يوضح هذا، مما يتصل بموضوعنا، بل ويؤكده، ما تجده صريحًا في آيات متتالية، من سورة آل عمران، قد جمعت فيما بينها"وحدة الموضوع"حيث ترى القرآن الكريم، في مثالنا الذي أوردناه، يربط ما كان من آل فرعون، بل والأمم الذين من قبلهم، في التاريخ الموغل في القدم، يربط كل أولئك بما كان من مشركي قريش، في وقعة بدر الكبرى في عهد النبوة، وما آل إليه أمرهم جميعًا، ماثلًا تحت سمعهم وأبصارهم، ربطًا محكمًا، ليقيم الدليل البيِّن، على أن وحدة السبب تستوجب وحدة المآل، لا محالة، ولا نعني بالسنة الإلهية العامة الماضية النافذة إلا هذا المعنى، وبيان ذلك:

إنه فيما يتعلق بالأمر الأول، تجد القرآن العظيم صريحًا في مثل قوله تعالى: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذَّبوا بآياتنا، فأخذهم الله بذنوبهم، والله شديد العقاب( 11/آل عمران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت