فهرس الكتاب
والحقيقة فقد كان شك الغزالي دينيًا في جوهره، لأن أزمة الشك لديه كانت أزمة دينية خالصة: لقد كانت الحالة النفسية التي صدر عنها شكه، والتي ارتد إليها يقينه. أما شكه بالمحسوسات والمعقولات، ثم يقينه بالمعقولات فالمحسوسات، فلم يكونا الأذيلين نظريين ملحقين بالأزمة الدينية التي عاناها، والتي سيطرت على مجامع نفسه (12) .
لقد انطلق الغزالي -شأنه شأن كل إنسان-من اليقين، فكان الشك مرحلة متوسطة بين يقينين. بيد أن هناك فرقًا بين يقينه الفطري الذي سبق شكه، ويقينه الفكري الذي وصل إليه، بعد أزمة الشك الحادة التي انتابته. لهذا كان لا بد لنا من التطرق إلى أزمته الروحية التي توسطت بين اليقينين، لكي نعرف حقيقة شكه وحقيقة يقينه. أما أزمة الشك لديه، فقد مرت بثلاث مراحل، الشك بالتقاليد والعقائد الموروثة، والشك بالمحسوسات، ثم الشك بالمعقولات، في حين أن اليقين ارتد إليه ابتداء من المعقولات، التي عادت إليه مقبولة موثوقًا بها، على أمن ويقين، دون نظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله في الصدر (13) .
هذا ما يبدو لنا من دراسة"المنقذ".
ولكن هذا الكتاب لا يروي لنا القصة بأكملها، فهناك فصل هام نجده في"المشكاة"، وفيه يبدو لنا أن يقينه ارتد إليه، في أثناء تجربته الصوفية، التي أوصلته إلى وحدة الوجود، وهو اليقين الذي انتهى إليه شكه. إن هذا الفصل يعد -في رأينا- الفصل الأخير لحكاية الشك، وخاتمة القصة. ولكن الغزالي -وهو المسلم أولًا، وحجة الإسلام ثانيًا- راعه أن ينتهي إلى هذه النتيجة، فحذف الخاتمة الحقيقية، واستبدل بها الخاتمة المعروفة: النور الذي قذفه الله في الصدر.
وهذا ما سيتضح لنا في غضون دراستنا هذه لشك الغزالي ويقينه، الذي شاءه أن يكون يقينًا مرتبطًا بالشرع!