فهرس الكتاب
والحقيقة، إن نظرة نلقيها على"المنقذ"، تبين لنا أن شك الغزالي بدأ حينما أخذ ينظر في آراء الناس في الأديان والملل. يقول:"إن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأمة في المذاهب، على كثرة الفرق، وتباين الطرق، بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، وكل حزب بما لديهم فرحون (14) ".
وهكذا يصف لنا كيف غرق الناس في بحار الأديان والملل والفرق والمذاهب والطرق ثم ينتقل ليصف لنا حاله هو ذاته، فيقول:
"ولم أزل في عنفوان شبابي، منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أنافت السن على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل ظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأقتحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيًا إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريًا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيًا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلمًا إلا واجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيًا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبدًا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقًا معطلًا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته (15) ."
ومن هذا الكلام، يتضح أن بداية شك الغزالي كانت من اختلاف الناس في أديانهم ومذاهبهم ومللهم، وما أدى إليه من مواقف متباينة اتخذوها تجاه هذه الأديان والمذاهب والملل. والشك من هذه الناحية شك بالعقائد الموروثة. وهذا يتطلب السؤال عن حقيقة هذه العقائد والعلوم، لمعرفة الأساس الذي تستند إليه. وبهذا الصدد يقول الغزالي: