فهرس الكتاب
"وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني، من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله، وضعًا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت عليَّ العقائد الموروثة، على قرب عهد الصبا... فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة، بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات (16) ".
وهكذا فقد ثقته بالعقائد والعلوم الموروثة التي لقنه إياها الوالدون والأستاذون.
وهذا ما دفعه إلى طلب حقيقة العلم، فظهر له أن"العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه العلم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم (17) ".
وبهذا عرف معيار صدق العلم، فأخذ في تطبيقه على علومه. يقول:"ثم فتشت عن علومي، فوجدت نفسي عاطلًا من علم موصوف بهذه الصفة، إلا في الحسيات والضروريات. فقلت: ا لآن بعد حصول اليأس، لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات، وهي الحسيات والضروريات (18) ".
وهكذا نبذ عقائده وعلومه التي ورثها عن آبائه وأستاذيه، وأخذ في رد كل يقين إلى ما هو حسي وضروري. ولكنه لم يقف عند هذا الحد، فالشك ما لبث أن تناول حواسه. يقول"من أين الثقة بالمحسوسات، وأقواها حاسة البصر، وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفًا غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة؟ ثم بالتجربة والمشاهدة، بعد ساعة، تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة بغتة، بل على التدريج ذرة ذرة، حتى لم يكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيرًا في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار (19) ".