فهرس الكتاب
وفضلًا عن ذلك، فهذا ليس من شأن حاسة البصر وحدها، بل شأن الحواس الأخرى أيضًا. فهل يكون العقل هو ملاذ اليقين؟ يقول الغزالي:"هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيبًا لا سبيل إلى مدافعته. فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضًا، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات؟"
كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون حادثًا قديمًا، موجودًا معدومًا، واجبًا محالًا (20) "."
وهكذا وضع الغزالي المحسوسات تحت وصاية العقل، وجعل محك كل حقيقة مبدأ عدم التناقض. ولكن هذا كان فترة عابرة، سرعان ما انقضت، مخلفة الشك بالعقل ذاته، وهنا يتخيل الغزالي حوارًا بينه وبين المحسوسات، تخاطبه فيه قائلة:"بم تأمن أن لا تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بي؟ ألم تكن ثقتك بي عمياء، حتى أتى حاكم العقل فكذبني، ولولاه لكنت تستمر على تصديقي؟ ألا يمكن أن يكون وراء حاكم العقل حاكم آخر، إذا تجلى لك، كذب العقل في كل حكم من أحكامه، كما تجلى حاكم العقل نفسه، فكذبني أيما تكذيب؟!"
وعدم تجلي ذلك الحاكم الجديد لا يدل على استحالة وجوده! (21) "."
ويبقى الغزالي على هذه الحال في يقظته، وينام ليلته، وهو لا يجد مخرجًا له من هذا المنطق. ويؤيد المنام هذا الإشكال، فإن نفس الغزالي تقول له:"أما تراك تعتقد في النوم أمورًا، وتتخيل أحوالًا، وتعتقد لها ثباتًا واستقرارًا، ولا تشك في تلك الحالة ما دمت فيها، ثم تستيقظ، فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك واعتقاداتك أصل وطائل؟ فبم تأمن أن جميع ما تعتقده في يقظتك، بحس أو عقل، هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها، لكن، يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك، كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نومًا بالنسبة إليها!"
فإذا أوردت تلك الحالة، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها (22) "."