فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 23694

وهكذا وصل الغزالي إلى خاتمة مطافه في شكه: لقد أصبح العقل -وهو الذي كان يعتقد فيه أنه أساس كل يقين- هو ذاته موضع شك.

أصبح الغزالي يعيش في ظلمة حالكة، لكن النور سرعان ما انبجس من نقطة من هذه الظلمة، وأخذ ينتشر شيئًا فشيئًا، حتى عم كل شيء. يقول الغزالي واصفًا حاله:"... فأعضل هذا الداء، ودام قريبًا من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، حتى شفى الله من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضرورات العقلية مقبولة موثوقًا بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر (23) ".

وهكذا عادت الثقة إلى المعقولات! أما وقد عادت، فلا بأس أن يمتد نور اليقين إلى المحسوسات والموروثات، إذ أن هذا النور هو مفتاح أكثر المعارف (24) ، وإذن، فالضرورات العقلية هي مفتاح العلوم غير الضرورية. يقول الغزالي:"إن العلوم التي ليست ضرورية إنما تحصل في القلب في بعض الأحوال، يختلف في حال حصولها، فتارة تهجم على القلب، كأنه ألقي فيه من حيث لا يدري، وتارة تكتسب بدليل الاستدلال والتعلم (25) ".

ولكن العلوم الضرورية هي أوليات العقل عند الغزالي. وهذا يعني، أن العلوم غير الضرورية هي -كما يسميها- الإلهام والاعتبار أو الاستبصار. والإلهام له صورتان: النفث في الروع، ويختص به الأولياء والأصفياء، والوحي ويختص به الأنبياء. أما الاستبصار الذي يكتسب بطريق الاستدلال، فيختص به العلماء (26) .

بيد أن الاستدلال إذا كان من العلوم غير الضرورية، فهو يستند إلى أوليات العقل التي هي العلوم الضرورية. وهذا يعني، أن المعرفة التي هي نتيجة الاستدلال، تصبح ضرورية، بمجرد اعتمادها على أوليات العقل الضرورية. فلنتكلم عليهما، بادئين بالمحسوسات. والحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت