فهرس الكتاب
إذا كان النور الذي قذفه الله في الصدر، هو مفتاح أكثر المعارف، فلا بد إذن من أن تكون معرفتنا بأن الكوكب أكبر من الأرض في المقدار، مع أن حاسة البصر ترينا إياه في مقدار دينار، إنما ترجع إلى العقل ذاته.
أليست الأدلة الهندسية التي نستخدمها في هذا السبيل، أدلة عقلية مائة بالمائة؟
وكذلك معرفتنا بأن الظل متحرك، على الرغم مما نراه من ثباته بحاسة البصر، إنما ترجع إلى العقل نفسه. أليس الاستدلال الذي اعتمدنا عليه، في الموازنة بين وضع الظل في فترتين متباعدتين، عملًا عقليًا خالصًا؟ وهكذا نجد أن العقل نفسه، لا بد له وقد استعاد ثقته بذاته، من أن يمنح يقينه إلى المحسوسات، فتصبح هي الأخرى، مقبولة موثوقًا بها، على أمن ويقين.
ولكن الغزالي قال:"وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف"، ولم يقل:"وذلك النور هو مفتاح كل المعارف". وهذا يعني، أن هناك معارف ليس العقل مفتاحًا لها. فكيف يمكن رد الثقة إليها؟
إذا رجعنا إلى تقسيم العلوم غير الضرورية، وجدنا أن الغزالي قسمها قسمين: علوم تهجم على القلب، وأخرى تكتسب بالاستدلال والتعلم، وأنه ما لبث أن أضاف إلى ذلك قوله:"ثم إن الواقع في القلب بغير حيلة و تعلم واجتهاد من العبد، ينقسم إلى ما لا يدري العبد أنه من أين حصل له؟ وكيف حصل؟ وإلى ما يطلع معه على السبب الذي استفاد منه ذلك العلم، وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب، والأول يسمى إلهامًا ونفثًا في الروع، والثاني يسمى وحيًا ويختص به الأنبياء، والأول يختص به الأولياء والأصفياء (27) ".