فهرس الكتاب

الصفحة 645 من 23694

وإذن، فهناك حقائق تهجم على القلب، وهي إما أن يختص بها الأنبياء وهي نتيجة الوحي، أو يختص بها الأولياء والأصفياء، وهي نتيجة الهام ونفث في الروع. إن هذه الحقائق التي يبشر بها الأنبياء أو الأولياء والأصفياء، تنتشر بطريق النقل. ولكن الغزالي قال لنا من قبل:"وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم". ونحن نعلم أن طريق الاستدلال هو طريق العقل، وأن طريق التعلم هو طريق النقل. ولا أصدق على هذا من قول الغزالي نفسه، فيما بعد ذلك بقليل:

"والذي قبله وهو المكتسب بطريق الاستدلال، يختص به العلماء (28) ".

ومن هذا وذاك، نستطيع أن نستنتج، أن العلوم غير الضرورية، والتقاليد والعقائد الموروثة جزء منها، تحتاج إلى العقل والنقل معًا، حتى يتاح للمرء الثقة بها، والاطمئنان إليها. ولكن، ما حقيقة العقل لدى الغزالي؟

وهل هو ملكة مستقلة قائمة بذاتها؟

قبل الإجابة، دعونا نفحص عن حقيقة شك الغزالي، فلعل معرفة حقيقة هذا الشك، ترسم لنا طريق فهم حقيقة العقل لديه!.

إذا تأملنا ما قدمناه، وجدنا أن شك الغزالي يبدو عقليًا في الوهلة الأولى، فيدفع الناظر فيه، إلى الاعتقاد بأن اليقين الذي تلاه كان مصطنعًا وعجيبًا! وأنه لكذلك، إذا نظرنا إليه بمنظار العقل. ولكن أليس هناك منظار آخر غير منظار العقل، ننظر به إلى هذا اليقين، بحيث يبدو طبيعيًا ومقبولًا؟

إذا رجعنا إلى أقوال الغزالي، بعد أن وصل إلى الشك في المعقولات، وجدناه يؤيد هذا الظن، إذ يقول:"فإذا ما وردت تلك الحالة، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها، ولعل تلك الحالة ما يدعيه الصوفية، أنها حالتهم: إذ يزعمون أنهم يشاهدون أحوالهم التي لهم، إذا غاصوا في أنفسهم، وغابوا عن حواسهم، أحوالًا لا توافق هذه المعقولات. ولعل تلك الحالة هي الموت... فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة. فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن (29) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت