فهرس الكتاب

الصفحة 646 من 23694

ومن هذا الكلام نرى، أن الغزالي يعد الحالة الصوفية أعلى مقامًا من الحالة العقلية. ولكن صيغة الكلام تدعو إلى التشكيك في ما نذهب إليه، فهو يستعمل صيغة الترجيح: لعل، ويقول عن هذه الحالة، أن الصوفية يدعونها، وأنهم يزعمون، وهكذا... ومع ذلك، فهذا رأي الغزالي، فهو يقول عن الصوفية، بعد عزلته وخلوته:"ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: أني علمت يقينًا، أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئًا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا."

فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به (20) .

وهذا يعني، أن شك الغزالي وليد حالة صوفية، لا وليد حالة عقلية. وإذا كان الأمر كذلك، فهل من عجب في أمر الغزالي، وقد انتهى إلى شك بالمعقولات، أن تعود إليه مقبولة موثوقًا بها، على أمن ويقين، بنور قذفه الله في الصدر؟!

بيد أن الغزالي نعت شكه بالمرض، ويقينه بالصحة والاعتدال، حينما قال:"فاعضل هذا الداء... حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض...". فما معنى ذلك؟.

إن الغزالي يجد فيه معنى دينيًا، فهو مريض وطبيبه الله، لهذا رأيناه يتكلم عن حالة أعلى من حالة العقل، هي حالة الصوفية، التي هي شبيهة بالنبوة.

وهنا يمكننا أن نتساءل: أليست العقيدة الدينية هي التي جعلت الغزالي يتصور الحل بالرجوع إلى حالة شبيهة بالنبوة؟ لا سيما أن أزمة الشك لديه، كانت دينية في جوهرها بدأت بالدين، وانتهت إليه! والحقيقة، فقد كان الغزالي رجل دين ولا ككل رجال الدين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت