فهرس الكتاب
كان حجة الإسلام. ولهذا ليس عجيبًا أن يرى أن لا مخرج له من شكه إلا بالعودة إلى الدين، بهذا النور الذي قذفه الله في الصدر!
لقد كانت نفسه مشبعة بالدين إلى أقصى حدود الإشباع، فطغى الدين على كل حل آخر، ولم يترك للغزالي مجالًا للتفكير في حل سواه. بل إن الأمر أبعد من ذلك، فهو حينما وجد الحل -الحل الصوفي- نبذه ظهريًا، وعاد إلى الدين كما لقنه إياه الوالدون والأستاذون!
وفضلًا عن ذلك، فما معنى الحوار الذي جرى بين الغزالي وبين المحسوسات؟ وما معنى أن المنام يأتي ليؤيد الأشكال الذي أثارته المحسوسات، بما يصوره من رؤى وأحلام؟
أليست المحسوسات أقرب من المعقولات إلى الموجودات وجود عين؟ ثم أليست الرؤى والأحلام من جنس المحسوسات؟ كل هذا يجعلنا نرى في تشكيك المحسوسات، وتأييد الرؤى والأحلام، تراجعًا نحو الوجود العيني، ومحاولة لعبور الهوة التي قامت بين المعقولات وهذا الوجود، فكأن الغزالي مر بتجربة وحدة الموجود والمعقول، ورأى استحالة قيام المعقول مستقلًا عن الموجود!
ومما يؤيد هذا كل التأييد، هذه العودة المفاجئة إلى اليقين، دون نظم دليل وترتيب كلام، أي دون مجردات، بل بعلوم غير ضرورية تحصل في القلب في بعض الأحوال، فتارة تهجم على القلب، كأنه ألقي فيه من حيث لا يدري!
ولكن ماذا يعني الغزالي بالقلب؟ وما الفرق لديه بينه وبين العقل؟ يقول:"أما القلب فهو لطيفة ربانية روحانية، لها بهذا القلب الجسماني تعلق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، وهو المدرك العالم العارف من الإنسان، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب، ولها علاقة مع القلب الجسماني."
وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته، فإن تعلقه يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام، والأوصاف بالموصوفات، أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة، أو تعلق المتمكن بالمكان (31) .