وكآخر سهم في جعبة الشاعر الذي يصارع الموت، يهز الغصون، وبدلًا من الرطب الجني، والطعام والشراب والسكينة، تأتيه الحجارة التي تنهال على رأسه وتتندى بدمه، ويكاد الكون كله يتحجر، يتحول إلى حجارة (هي المعادل الموضوعي لانعدام استجابة الآخر، ليقينية القطيعة بينه وبين الشاعر) تجسد الانقطاع وتشير إلى استحالة التواصل.
وربما كان من أهم ما يلفت النظر في هذه القصيدة هو الاستخدام العبقري للصورة القرآنية. والواقع أن السياب يطورها تطويرًا يمليه عليه موقفه هو، ويحاول أن يزيل حجاب الألفة عنها، ويخون بذلك توقعات القارئ، وبالتالي يقدم له في النهاية صورة جديدة على نحو مثير. إنه يكاد يفجرها حيوية وطاقة تعبيرية، بل يجعلها محورًا للقطيعة التي تحيط به، إذ تجسد ما يبدو في ظاهرة الطريق إلى نقيض هذه القطيعة ولكنها ترتد في النهاية لتصبح أقصى التطرف في عملية التواصل السلبي بينه وبين الآخر. إن الإنسان ليحن شوقًا، ويذوب وجدًا نحو الآخر، وإنه ليضرع إليه، وأقصى ما يمكن أن يتوقعه من سلبية منه هو الصمت المميت القاتل. ولكن أن يتلقاه بالحجارة التي تتراكم عليه، وحوله، حتى لتكاد تأتي على الكون كله، فذلك تواصل هو في جوهره قمة القطيعة، تكثيف لها ما بعده تكثيف، وهكذا تتعمق القطيعة حتى تشمل الكون، ويقف الشاعر وحيدًا، ويفرق فرقًا شديدًا، وتتحول رجلاه إلى ريح تجوب القفار.
جامعة دمشق
أيار 1985
هوامش:
(1) -انظر:
د.عبد الكريم حسن، الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص ص (384-386) . و
د.إحسان عباس، بدر شاكر السياب: دراسة في حياته وشعره، دار الثقافة، بيروت، ط2، 1972، ص ص (345-367) .
(2) -القرآن الكريم، سورة مريم، الآيات (16-26) .
(3) -إشارة لقول المتنبي:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا