فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 23694

هل لتجاوز الشك بالمعقولات علاقة بالنور الذي قذفه الله في الصدر؟ وهل لليقين الذي وصل إليه، وهو يقين وحدة الوجود من مسوغ لتجاوزه إلى العقيدة، غير ما شعر به من مخالفة صريحة لما تقول به هذه العقيدة؟ وكل هذا ألا يعني، أن الشك واليقين حالتان عارضتان لا علاقة لإحداهما بالأخرى، سوى أنهما وجهان لتجربة نفسية حيال الدين؟ يدل على ذلك ما أشرنا إليه من معنى"القلب"عند الغزالي في النص الذي يتكلم فيه عن مرضه. لقد وردت كلمة"القلب"مرتين، استعمله في المرة الأولى بمعنى النفس، وذلك حينما قال:"حتى أورثت هذه العقلة في اللسان، حزنًا في القلب"، واستعمله في المرة الثانية بمعنى النفس أيضًا، حينما قال:"وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى المزاج...".

وهذا يعني، أن الشك الذي طرأ على النفس انتقل من بعد إلى المزاج، وأدى إلى مرض البدن وأنه لا شفاء من هذا المرض إلا بانكشاف الغطاء عن حقيقة الدين، الذي كان الشك فيه همًا ملمًا. وهذا يعني، أن أزمة الغزالي الروحية، كانت أزمة دينية في جوهرها. وفي هذه الحال، ما معنى شكه أولًا، وما معنى يقينه ثانيًا؟

الحقيقة، أن شكه لا معنى له، إلا إذا ربطناه بوحدة الوجود، وكذلك يقينه لا معنى له، إلا بوحدة الوجود. لكنه تراجع عن هذه النتيجة، وعاد إلى يقين لا يختلف في شيء عن اليقين الذي انطلق منه. ولهذا فقد شكه كل قيمته الفلسفية، ولم تبق له سوى قيمته التأليهية، التي تريد أن تشككنا بكل شيء، في سبيل ردنا إلى الله، وجعل يقيننا قبسًا من يقينه.

الحواشي:

(1) مقالنا: قيمة العقل عند الغزالي، مجلة المعرفة، تموز 1979.

(2) المنقذ من الضلال، الطبعة الخامسة، ص 64، مطبعة الجامعة السورية، دمشق 1956.

(3) المنقذ من الضلال، ص 64.

(4) عبد الرحمن بدوي: مؤلفات الغزالي، ص 244، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، القاهرة 1961.

(5) مؤلفات الغزالي ص 245.

(6) مؤلفات الغزالي ص 245

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت