فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 23694

وهذا يعني تجاوز مرحلتي العلم والذوق إلى مرحلة الإيمان. ولكن، كيف عاد إلى الإيمان؟ هل عاد إليه مقلدًا كما كان قبل أزمة شكه؟ لقد سبق له أن قال:"فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، فإن شذ الحق عنهم، فلا يبقي في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته، ومن شرط المقلد أن لا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك، انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب، وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف، إلا أن يذاب بالنار، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة (72) ".

ولكي نعرف ما إذا عاد الغزالي مقلدًا أو غير مقلد، لا بد لنا من الفحص عن النتيجة التي انتهى إليها. لقد أنهى كلامه في"المنقذ"بهذه العبارة:"هذا ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفاتهما وآفات من أنكر عليهما لا بطريقته (73) ".

ومعنى هذا، أن الغزالي انتهى إلى ذم الفلسفة والتعليم، دون الكلام والتصوف.

وهنا نعود إلى التساؤل: هل انتهى متكلمًا أو متصوفًا؟ لقد رأينا أن التصوف انتهى به إلى وحدة الوجود، وأنه تراجع عن هذه النهاية إلى الإيمان بالعقيدة الإسلامية.

ولكنه إذ فعل، ألقى بكل ما وصل إليه، وعده لغوًا لا طائل وراءه. وهذا يعني العودة إلى الدين، وقد تكون عودة تتنافى مع التقليد، لأنها كانت نتيجة رفض للفلسفة والتعليم والتصوف. وهذا يعني، أن الغزالي انتهى متكلمًا، ولكنه كان متكلمًا لا ككل المتكلمين، لأن الكلام عنده ليس إيجابيًا غايته الدفاع عن العقيدة دفاعًا مباشرًا، كما هو شأن المتكلمين، بل سلبي غايته رفض المذاهب المخالفة للدين، ليظهر الدين وحده بمظهر الحق.

وهنا لا بد لنا من طرح السؤال التالي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت