فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 23694

في رأينا هذا يكون حينما تنفصم عرى الاتصال بين المحسوس والمعقول، فيشك العقل في المحسوسات، وتتهم المحسوسات العقل، كما حدث للغزالي، بل حينما تنفصم المحسوسات والمعقولات معًا عن أصلها الوجودي، وهو أمر لم يفطن له الغزالي، وتدل عليه عودة اليقين المتمثل بوحدة الوجود، لا عودة اليقين المتمثل بالشريعة الإسلامية.

بيد أن انفصام المحسوس عن المعقول، إذا عنى شيئًا، فإنما يعني انفصامًا في الوجدان ذاته. وهذا ما يدل عليه قول الغزالي:"وقالوا هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم، بيد أن انفصام الوجدان إنما يعني، أن العقل أصبح يعمل مستقلًا عن الجسد، فبطلت الصلة بينه وبين الوجود، فانعدمت الروابط المنطقية، التي هي في أصلها روابط وجودية، وبانعدامها، أصبح الغزالي على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال."

والحقيقة، أن النص الذي استشهدنا به عن المرض، كان بعد إيمان الغزالي بالحقيقة التي يقول بها المتصوفة أولًا، والتي رأينا أنها وحدة الوجود، وقبل خروجه منها إلى العقيدة الإسلامية، ثانيًا. وإذا كانت وحدة الوجود تعني توحيد الله والعالم، من حيث أن الله يمثل المعقول، وأن العالم يمثل الأشياء على اختلافها، كان معنى هذا أن اليقين -كما رآه الغزالي في هذه المرحلة- هو يقين وحدة الموجود والمعقول لا يمكن إدراكها بالعقل وحده. ولهذا كان إدراك وحدة الوجود بحاجة إلى وحدة الوجدان، وهذه لا يمكن الوصول إليها، إلا بالشفاء من المرض، وعودة النفس إلى الصحة والاعتدال، وعودة المزاج إلى ما كان عليه، قبل نزول الأمر بالقلب. لكن الغزالي سرعان ما أدرك -بدافع من دينه- أن القول بوحدة الوجود فيه خروج عن الدين الإسلامي، فتراجع عن قوله، وعد القول بالحلول أو الاتحاد أو الوصول خطأ، فوصل بذلك إلى المرحلة الثالثة من مراحل اليقين عنده، وهي: العلم والذوق والإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت