فهرس الكتاب

الصفحة 665 من 23694

نخرج مما تقدم بنتيجة واضحة، وهي أن نور الله هو اليقين الذي يكون به الخروج من كل شك. بيد أن هذا النور يتخذ صورة مذهب وحدة الوجود مرة، وصورة الله في الشرع الإسلامي مرة أخرى. وإذا تأملنا هاتين الصورتين، وجدنا أنهما غير ضروريتين للخروج من الشك. والحقيقة، فقد تولدتا معًا من حالة نفسية مر بها الغزالي، فكانتا ليلًا ونهارًا لنفسه في موقفها من الدين. وهي حالة مرضية، كما وصفها هو ذاته، حين قال:"وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذا قفل الله على لساني، حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي... فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة، ولا أستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان، حزنًا في القلب، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب: فكان لا ينساغ لي ثريد، ولا تهضم لي لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج، وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم (71) ."

ولكن، ما حقيقة هذا المرض؟ لا بد لنا، لفهم ذلك، من التوقف عند بعض تعابير الغزالي، ومن فحص الحالة التي مرت به.

وهنا لا بد لنا من التساؤل عن معنى كلامه الذي سبق هذا الكلام، والذي استشهدنا به من قبل، وهو:"أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال". يكمن مفتاح معنى هذه الجملة، في فهم معنى العبارة"بحكم الحال".

فما الحال المقصودة هنا يا ترى؟ أهي الحال الصوفية؟ إننا نعتقد ذلك، ودليلنا قول الغزالي:"ولعل تلك الحالة ما يدعيه الصوفية أنها حالتهم". وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون الأمر كذلك، فكيف يكون المرء على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، والسفسطة مغالطة منطقية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت