أصالة إقبال الإسلامية جعلته مشغوفًا بالعرب. إن روحه من روحهم، وصوته من معدنهم. منذا الذي يتكلم على إقبال دون أن يتغنى بهذين البيتين من قصيدة له رائعة:
أنا أعجحمي الدنّ لكنْ خمرتي... صنع الحجاز وكرمها الفينان
إن كان لي نغم الهنود ولحنهم ... لكن هذا الصوت من عدنان
وينطلق إقبال من فهمه لحقائق الدين الإسلامي، دين الفطرة، إلى بيان كنه الإنسان وسر ذاته وجدارة مكانته في الوجود. ذات الإنسان مركز قوة حرة تنزع إلى الحركة. الحركة هي الحياة، والسكون هو الموت. انظر إلى البزرة تدفن في التراب. فهي لا تمكث فيه بل تنتفض بما فيها من حياة كامنة، ومن قوة خفية على الرغم من مرقدها البارد:
لقد دفنوا في التراب البذور... فلم تَغْنَ* في لحدها الهامد
ولم تنطفئ نارها في الحياة ... على طول مرقدها البارد
الموج حياة البحر وهو قائم على الحركة يلطم الصخر وينحسر دائبًا ليل نهار فهو حي ما دام متحركًا.
وهو بالصور الشعرية الكونية يستنهض الهمم ويحفز على السعي ويحث على العمل الدائب ويدفع إلى الثورة على التسلط والتحكم والاستغلال: غص في البحر وحارب الأمواج فإن خلود الحياة في الكفاح. السكون محال في الأرض. انصرام الليل مؤذن بانبلاج الصباح. وآخر عهد البراعم أول عمر الزهر.
ولسنا نجد شاعرًا ولا فيلسوفًا مثله نوّه بالعمل والنضال ولا مثله شحذ ذات الإنسان ونظر إليها مجلوّة فاعتبرها مبدأً لتحقيق الغايات العليا والمآرب السامية حتى إذا تضامنت الذوات وتعاونت وانضم بعضها إلى بعض تحركت الجماهير على مستعبديها وتحررت من كل نيرومشت تبني إنسانيتها الحقيقية. ينادي في بعض أشعاره:
هيا انتفض من النوم الثقيل، وانهض في صوت الهداة، على تكبير الأذان، على حرارة اتحاد أصحاب الأنفاس القدسية.
وهو يستنهض الإنسان للقضاء على عدوه النمر مرابطًا في كل مكان في السهل والوادي والجبل والصحراء. عدوه النمر هو الاستعمار وسيطرة الإنسان على أخيه الإنسان.