أول ملامح الصورة الإقبالية في الأدبيات العربية ما يتعلق بحياة إقبال ومؤلفاته. فقد لاحظت أن المقالات (1) التي نشرت عنه طوال خمسين سنة من عام 1935 حتى عام 1985 انصرفت كلها تقريبًا إلى ترجمة حياته وسرد مؤلفاته، وخصصت بعض خواتيمها أو جانبًا منها لحديث عام عن فلسفته أو شعره. وكنت أتساءل دومًا: أما تكفينا مقالة واحدة للإلمام بحياة هذا الرجل؟ غير أن الإجابة عن هذا السؤال لم تكن هينة. إذ إن مقالة واحدة تكفي في العادة للإلمام بحياة الدكتور محمد إقبال إذا كانت دقيقة. وما قرأته لم يكن كذلك على الرغم من سعي الكاتبين إلى الدقة وإيماني بصدق نياتهم.
فقد قرأت أنه ولد عام 1876 (2) ، كما قرأت أنه ولد في عام 1873 (3) . فقلت، وأنا أعلم أنه ولد عام 1877، لعل ذلك من قبيل الشائع في كتب التراجم. فالناس يهتمون بالأعلام بعد نبوغهم، ويفوتهم في هذه الحال زمن ولادتهم، وقلما فاتهم زمن وفاتهم (4) . وربما كان الاختلاف عائدًا إلى أن زمن ولادة إقبال لم يكن يعرف تسجيل المواليد بدقة، أو أن هناك تصحيفًا في المراجع التي عاد إليها الكتاب العرب. وربما كان هناك سبب آخر، إلا أن الاختلاف في زمن الولادة يبقى أمرًا بسيطًا. وما هو أكثر أهمية أن حياة محمد إقبال شهدت تطورات عدة، أبرزها الفترة التي تلت عام 1908. لكن المرء يقرأ في الأدبيات العربية شيئًا كثيرًا عن إقبال دون أن يرافق ذلك توضيح لهذه التطورات. ومسوغ الإشارة إلى هذا الأمر كامن في أن العرب معنيون بما آل إليه تفكير إقبال في أمرهم. فقد آلمه خضوعهم للمستعمر الغربي، وتخلفهم، وفرقتهم، ومن ثم راح يدعوهم إلى الثورة. أو قل: راح يدعوهم إلى جوهر فلسفته الثورية. لكن الأدبيات العربية سكتت عن هذا الأمر (5) وكأنه لم يكن الشغل الشاغل لمحمد إقبال طوال ثلاثين سنة في المرحلة الثالثة من حياته (بين 1908-1938) .