الأمر الثاني اللافت للنظر في الأدبيات العربية هو إهمال مزج جانبين هامين في شخصية محمد إقبال، هما اهتمامه بالوطن العربي وفلسفته الثورية. وأذكّر هنا أنني لست مؤهلًا لتحليل فلسفة إقبال. غير أن المرء ما يفتأ يلاحظ أن الاختصاصيين نصوا على أن فلسفته تستند إلى ثلاث رواجب هي (8) : جهاد النفس -الإنسان مسؤول- العشق. ولهذه الرواجب الثلاث صلة وثيقة بما كان العالم الإسلامي عامة، والوطن العربي خاصة، يعانيان منه في النصف الأول من القرن العشرين. فهما محتلان متخلفان مجزآن تعتمل فيهما الأدواء والمفاسد، فما السبيل إلى خلاصهما من ذلك وعودتهما إلى الحضارة والرقي ورفعة الشأن؟.
إن السبيل، بإيجاز، هو محاربة الإنسان ما يعتمل في دخيلته من ذاتية مفرطة، وتحطيمه أغلاله التي زيّنها له وهم الحرية، وإيمانه أنه مسؤول، وأن واجبه يدفعه إلى أن يندمج بالشعب ويشاركه كفاحه من أجل إزالة التخلف والأوضاع الطبقية الفاسدة والظلم والتسلط، كي يتمكن المسلمون عامة، والعرب خاصة، من تحرير وطنهم المغتصب، وجعل الإنسان فيه عزيزًا حرًا كريمًا."فإقبال وجيله من المجددين جابهوا بجرأة مشكلة الحضارة الحديثة، وضعوا الفرد المسلم والعربي وجهًا لوجه أمام مسؤوليته" (9) .