ولكن علينا أن نتجنب إسقاط ما أصله من الفصيح من هذه العاميات بتأثير المتعالمين المتعاظمين على الجماهير الذين قد يغيب عن بالهم أن أبعد الألسنة العامية عن اللغة الأم ما هو إلا فرع من دوحتها أغفلته يد التشذيب والتهذيب. وأن فصاح العامة أحق بالاهتمام والأقربون أولى بالمعروف، والمأنوس من العبارات أحق بالرعاية من غرائبها. فالتسهيل والإيضاح واجب اللغويين والمربين والإعلاميين والأدباء المثقفين لتكون الثقافة في خدمة المجتمع، وكذلك من أجل أن نسير على طريق الشفاء من شكوى كتاب الفنون القصصية والمسرحية من افتقادهم لغة الحوار المناسبة والمفهومة، بسبب هذه الازدواجية اللغوية التي تقسم لغة الشخصية الواحدة بين حديث المشافهة الدارجة وبين أسلوب الكتابة، فنحن نقول ما لا نكتب، ففصيح العامي هو الجسر والصراط الصالح لعبور العاميات إلى رحاب الفصاحة والثقافة والعلم... ولكي أشير إلى أن المضيع والمجهول من بقايا الفصاح في العاميات الدارجة ليس نزرًا يسيرًا، وليس كمية قليلة يصح إهمالها فلا يؤبه لها كما قد يُظن، وإنما الأمر على النقيض.. فلآخذ مثالًا من أكثر الألسنة العامية الدارجة تعرضًا للغزو والتغريب والتعجيم والتشويه ومحاولة المحو هو مثال العامية الدارجة في القطر الجزائري الشقيق الذي حرمت عليه لغته الأم طيلة قرن وثلث القرن تحريمًا جعل أدباءه الكبار من أمثال مالك حداد وغيره يعلنون أنهم أسرى للسان الأجنبي المفروض عليهم منذ طفولتهم قسرًا وإكراهًا.
على أني مقر بالتقصير سلفًا، فمعرفتي اللهجة الدارجة الجزائرية معرفة ضئيلة محكومة بظروفي الخاصة، ولست أزعم أني أقوم بتجميع فصاح العامية الجزائرية، أو فصاح العاميات الأخرى، ولكني أثير الموضوع وأنوه به وأطمح إلى فتح الأبواب أمامه، وأبدأ بالتذكير بأن جمع جزيرة على (جزائر) أفصح من جمعها على (جزر) لأن جزر خطأ شائع في رأي جمهور من العلماء واللغويين.