فهرس الكتاب
"وكنت كثيرًا ما أردد هذه القصيدة في خلوتي، حتى استحكمت فيّ أكثر ألفاظها وتراكيبها. فلما عملت قصيدتي في الرثاء، عاد أكثر هذا المحفوظ بطبعه، من دون أن أتعمد إعادته". ... ليهنك اليوم أن القلب مرعاك
والشاعر جبري الذي أدرك بعد نضجه هذا العيب في شعره، أي الاتكاء على شعر غيره في النظم، فطن إلى مغبة الحفظ إذا طال أمده، وأنه قد قطع الطريق على الشاعر دون الإبداع والتميز، إذ التفرد وأصالة التعبير هما قوام العمل الأدبي. وهو نفسه قد أقر بما كان منه من عيب في قصيدته تلك فقال، وكأنه ينقد ذاته (27) "..ومن هذا يتبين لنا صواب رأي ابن خلدون لما قال: نسيان المحفوظ أول شرط من الشروط".
غير أن الشاعر جبري عمد من جهة أخرى إلى تسويغ ما كان فيه من رغبة ملحة في الاحتذاء فقال:"لقد حاولت أن أقلد الشريف الرضي.. وكثير من الشعراء في أول أمرهم يقلدون غيرهم من كبار الشعراء، استعظامًا لشأنهم أو استحسانًا لشعرهم. فالمتنبي كان يقلد أبا تمام في بعض قصائده، وكذلك البحتري.".
ويبدو لنا أن المصادفة في هذا الصدد أيضًا هي التي جعلت الشاعر جبري ينسج مرثيته على منوال الشريف الرضي، وهي وفاة ذلك الصديق الدمشقي والرغبة في رثائه، وكان المثال جاهزًا في قصيدة الشريف الرضي وصاحبه الصابي. وقد ذكر جبري نفسه أنه -كما رأينا -كان حديث العهد بحفظ دالية الرضي، فكانت أولى بواكيره التي طلع بها في حداثته على الملأ. ولولا تلك المناسبة التي تطلبت نظم المرثية لكان للشاعر جبري مع ظاهرة المعارضة شأن آخر، إذ لم يكن الرضي شاعره الأثير، بل كان المتنبي، ولو أنه خير في هذا الشأن لما اختار -فيما نقدر -سواه.
وكان من دلائل هذا التقدير لشاعرية الشريف الرضي إعجابه أيضًا برائعته الأخرى وهي من أحلى قصائد الغزل، وفيها يقول رامزًا (28) :
يا ظبية البان ترعى في خمائله
أنت النعيم لقلبي والحياة له ... فما أمرك في قلبي وأحلاك